البدايات والنهايات

مثلما يفرض البعض نفسه على البياض، فيتصدى للكتابة في بعض المناسبات أو عنها، تفرض بعض المناسبات نفسها أيضاً، فتغري بالكتابة فيها أوعنها. كلا الأمرين غير مستساغ عندي، وإن كنت على وشك أن أقع في الأمر الثاني منهما، كما فعلت في مناسبات سابقة.

نحن غالباً ما نعشق البدايات، لأنها تحمل من الإثارة والتشويق ما يستحق أن نعيشه، ونكره النهايات عادة، لأنها تحمل من الشجن ما يجعلنا نشعر بأن حقبة من أعمارنا قد انقضت لن تعود حتماً، حتى لو تركت في مخزون ذاكرتنا ذكريات جميلة نضعها في خانة الأوقات السعيدة، التي يتشكل منها ما نعتقد أنه الحياة التي نريد أن نعيشها، أو عشناها فعلاً، ونتمنى أن تستمر على الوتيرة نفسها، أو أن تكون أفضل مما عشناه.

عن البدايات كتب الكثيرون، وتحدث أغلب من كتبوا بداياتهم عن الصعوبات، أو التحديات التي واجهتهم في بواكير حياتهم، وكيف واجهوها وتغلبوا عليها بالإرادة والصبر والعزيمة، لتصبح هذه البدايات الصعبة جزءاً من رصيدهم الأغلى في الحياة، عندما يتحتم عليهم أن يكشفوا عن أرصدتهم، ليست المالية بالطبع، كي يصنفهم الناس في الخانة التي يعتقدون أنهم يستحقونها بين المكافحين من البشر، الذين صنعوا مجدهم بأيديهم، وتجاوزوا العقبات التي غالباً ما تضعها الحياة في طريق الناجحين، الذين لا تهزمهم المصاعب، بل يهزمونها ويطوعونها لصالح تحقيق أهدافهم.

أما النهايات فقليلاً ما كتب أو تحدث عنها أصحابها، إما لأنهم اختاروا عدم الكتابة عنها لأسباب هم مقتنعون بها، أو لأن الحياة لم تمهلهم حتى يكتبوا عن هذه النهايات، فتكفل الآخرون بكتابتها نيابة عنهم، كل حسب رؤيته، أو موقفه، أو الزاوية التي ينظر منها، والمساحة التي تقع في دائرة رؤيته، وأحياناً النظارة التي يضعها على عينيه، أو القبعة التي يضعها على رأسه.

في كتابه «بدايات» يغوص الأديب «أمين معلوف» في تاريخ عائلته، واستحضار ذاكرتهم، لكنه يقول إنه يكره كلمة «الجذور» التي هي ليست من مفرداته، فهو لا يحب هذه الكلمة لأن الجذور، كما يرى، تتوارى في التربة، وتتلوى في الحل، وتنمو في الظلمات، وتُبقي الشجرة أسيرة لها منذ ولادتها.

ترضخ الأشجار لأنها بحاجة إلى جذورها، على عكس البشر الذين يتنفسون في النور، ويطمعون بالسماء. وخلافاً للأشجار، لا تنبثق الدروب من التربة على هوى البذار... فالطريق ليست لها بداية حقاً؛ قبل المنعطف الأول، هناك في الخلف، ثمة منعطف آخر، ثم آخر. أصلٌ هارب، لأن كل تقاطع انضمت إليه دروب أخرى آتية من بوابات أخرى. ولو تطلب الأمر أن نحتسب كل هذه الروافد، لدرنا حول الأرض مئة مرة. هكذا يقول الأديب اللبناني ذو الشهرة العالمية.

قد نختلف في الرأي مع ما يراه أمين معلوف، لكننا لا يمكن إلا أن نحترم وجهة نظره التي لها وجاهتها من حيث تعدد المنعطفات في دروب الحياة قبل أن نصل إليها، فحياة الواحد منا تبدأ منذ لحظة الولادة، لكن الحياة قبل هذه اللحظة كانت قائمة، وبعض الذين سنراهم ونعيش معهم بعد ذلك كانوا موجودين قبلنا، وبعضهم الآخر سيولد بعدنا.

لذلك نحن لا نستطيع أن نفصل أنفسنا عن المنعطفات الأخرى في دروب حياتنا، لكننا نستطيع أن نختار منها ما نعتقد أن له تأثيراً كبيراً فيها أو عليها، وأن نطوع هذا المنعطف أو ذاك كي يكون له أثر إيجابي وليس سلبياً.

في تاريخ الأدب الروائي تظل البدايات والنهايات مغرية للكُتّاب والأدباء، ليس من جهة مسار الأحداث في رواياتهم فقط، وإنما من جهة اختيار عناوينها أيضاً. وربما لهذا السبب اختار الروائي المصري العالمي نجيب محفوظ اسم «بداية ونهاية» لروايته الشهيرة، التي نُشِرت عام 1949، وتحولت عام 1960 إلى فيلم سينمائي من إخراج صلاح أبو سيف، وبطولة فريد شوقي وعمر الشريف وأمينة رزق وسناء جميل، صُنِّف في المركز السابع ضمن أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية.

تبدأ الرواية بموت الأب وتنتهي بموت الابنة الوحيدة في العائلة المكونة من الأب والأم والأبناء الأربعة، وما بين البداية والنهاية يلعب الفقر دوره في تشكيل مسار حياة أسرة مصرية من الطبقة الوسطى عاشت تحولات المجتمع المصري في ثلاثينيات القرن الماضي، ربما اختار لها الأديب نجيب محفوظ هذا الاسم ليسجل من خلالها نهاية مرحلة وبداية مرحلة.

على هذا النحو تفرض البدايات والنهايات نفسها على الشكل والمضمون معاً، وتدفعنا إلى اختيار العناوين والمفردات، مهما حاولنا الابتعاد عنها، لأنها من جوهر الحياة وليس زخرفها، وحين يكون هذا الجوهر هو الحياة نفسها، بكل منعطفاتها السابقة واللاحقة، يصبح للبدايات تأثير ينعكس على مسارات الحياة كلها، ويحدد النهايات، أو يشكل العامل الأكبر في تحديدها، إذا سلمنا جدلاً بأن لمنعطفات الحياة دوراً مهماً لا يمكن تجاهله في تحديد النهايات، بعد أن تكون قد لعبت دورها في تشكيل البدايات.

وإذا كان بعض العلماء قد حاول أن يحيط بتاريخ الكون، من بدء الخلق إلى نهايته، مثلما فعل العالم الجليل «ابن كثير» في كتابه الموسوعي الشهير «البداية والنهاية»، فإن ثمة عوالم أخرى خاصة ومثيرة لدى كل واحد منا، لها بداياتها ونهاياتها، ما زالت غامضة.

هكذا نحاول أن نبتعد عن حديث المناسبات، لكن نهاية عام وبداية عام فرضت علينا ما بدا أنه غير مستساغ لدينا، فلعله يغدو محبباً إلينا كي نحافظ على شغفنا.

* كاتب إماراتي

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon