فرصة واعدة لروسيا في البحر الأحمر

البحر الأحمر ممر مائي عظيم الأهمية للملاحة الدولية فهو يربط تجاريا ثلاث قارات هي أفريقيا وآسيا وأوروبا وتطل عليه عدد من القواعد العسكرية التابعة لدول بعيدة عنه أكثر من ضعف عدد الدول المطلة على سواحله، ففي جيبوتي وحدها هناك أربعة من هذه القواعد إحدى مهامها تأمين سلامة القوافل التجارية من التعرض لهجمات القراصنة في منطقة القرن الأفريقي.

ولكن هذا العدد الكبير من القواعد في هذا البحر مرشح للزيادة بعد أن عرض الرئيس السوداني عمر البشير على نظيره الروسي فلاديمير بوتين الذي استضافه في منتجع سوتشي على البحر الأسود في الثالث والعشرين من نوفمبر المنصرم إقامة قاعدة عسكرية روسية في السودان تطل على هذا البحر في إطار التعاون الاقتصادي والعسكري بين البلدين وذلك لتوفير الحماية للسودان الذي يتعرض لمخاطر التهديدات الأميركية.

لا شك أن لكل دولة ذات سيادة كل الحق في رسم استراتيجيتها في الدفاع عن نفسها ذاتيا أو عبر التحالف مع قوى خارجية بما ينسجم مع متطلبات أمنها القومي وبما لا يخل بأمن دول الجوار أو بالأمن الإقليمي، عرض الرئيس السوداني هذا يخضع لهذه التوازنات التي على السودان كما على روسيا الساعية للعودة إلى المنطقة بحذر أخذها بنظر الاعتبار.

أهمية القاعدة العسكرية التي تقيمها الدول ترتبط بسياساتها وترتبط كذلك بموقع هذه القاعدة والأهمية الاستراتيجية لهذا الموقع بالنسبة لمصالحها على المستويين الإقليمي والدولي. فللقواعد العسكرية مهام متنوعة لوجستيا تشمل الدعم والإسناد أو حفظ السلام أو الدخول في عمليات قتالية تتطلب التدخل السريع. فلدى الولايات المتحدة 750 قاعدة عسكرية في 130 دولة في حين أن لدى روسيا قواعد عسكرية خارج أراضيها في عشر دول فقط، ثمانية منها من دول الاتحاد السوفييتي السابق والدولتان الأخريان هما فيتنام وسوريا.

لا شك أن عرض الرئيس السوداني سيحظى بدراسة جدية من قبل موسكو ومن المرجح أن يحظى بالترحيب في سياق سعي موسكو وإصرارها على العودة بقوة إلى الساحة الدولية خاصة في منطقة الشرق الأوسط، حيث كان للاتحاد السوفييتي السابق حضور قوي فيها، سياسيا عبر صداقاته مع عدد من دوله وعسكريا عبر قاعدتيه في أثيوبيا والصومال. سوريا هي الدولة الوحيدة في المنطقة حيث يوجد حضور عسكري لموسكو التي تطمح لتوسيع هذا الحضور إلى المكانين الحساسين في البحر الأحمر والخليج العربي.

فمن الصعب على موسكو تجاهل الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، فهي راغبة وبقوة الحصول على قاعدة عسكرية في أفريقيا فهناك محادثات، وفق الصحافة الروسية، تجرى مع مصر حول استئجار قاعدة جوية شمال غرب مصر قرب ساحل البحر المتوسط لتعزيز حضورها في سوريا.

ولكن مقابل هذا العرض المغري هناك بعض ما لا تستطيع موسكو التغاضي عنه يتجاوز الكلفة المالية الباهظة لإنشاء قاعدة عسكرية بعيدة عن أراضيها بجاهزيات قتالية في الوقت الذي يعاني اقتصادها من بعض المتاعب وهو حساسية التعامل مع الرئيس السوداني الذي يواجه إشكالات مع منظمات دولية من جهة والتوجس من انحدار علاقاتها المتشنجة أصلا مع واشنطن إلى المزيد من التردي من جهة أخرى.

الأداء الروسي في سوريا يشجع دولا أخرى لها متاعب مع الأسرة الدولية على طلب مساعدتها لمقاومة أخطار تتعرض لها متجاهلة حقيقة أن الحضور الروسي في سوريا لم يكن لحمايتها من مخاطر خارجية بل لحماية النظام من السقوط، فهو لم يشكل عامل ردع يمنع الولايات المتحدة من توجيه ضربة صاروخية للقاعدة الجوية في الشعيرات إثر قيام طائرات النظام بشن غارات بالغازات السامة من هذه القاعدة على خان شيخون، ولن يمنعها من القيام بعمليات عسكرية أخرى ضد النظام في المستقبل، فوجود قاعدة روسية في أية دولة ليس ضمانا حمائيا لها ضد ما تتعرض له من مخاطر من جانب الولايات المتحدة.

الولايات المتحدة تعزز نفوذها السياسي هنا أو هناك وفق آليات معقدة ومتنوعة للترويج لخطابها الليبرالي وكبح جماح المعادين له تتضمن تقديم المساعدات المالية أو تسليط الضغوطات الشديدة عبر شبكة علاقاتها الدبلوماسية الواسعة عالميا أو تسخير قدراتها على فرض العقوبات أو التلويح بهراوتها العسكرية الغليظة أو استخدام هذه الهراوة حين تخفق الوسائل الأخرى. أما المدخل الروسي لمقاربة ذلك فهو مختلف، فموسكو تعزز نفوذها السياسي من خلال حضورها العسكري في دول تتميز بضعف أنظمتها الحاكمة وهشاشة استقرارها السياسي.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon