أعطِ الرُمحَ باريها

كنت أصغي باهتمام إلى خبير في الأدلة الجنائية في إحدى البلدان العربية عن خفايا مهنته التي مكنت دولاً عدة من التوصل إلى خيوط أشهر الجرائم التي شغلت الرأي العام.

غير أن هؤلاء المهنيين بعيدون بحكم عملهم عن الأضواء. كان الحوار ذلك مصادفة قبيل الإعلان عن مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح على يد حركة الحوثيين الانقلابية.

لا يهمني الشق السياسي كالعادة، بقدر كمية المعلومات ودقتها التي أعلنها متخصص في الطب الشرعي، نشرتها "البيان".

حيث قال إن إصابة الرأس قد تمت بعد مقتل صالح بنحو خمس ساعات على الأقل، من وقوع الجريمة، مع أنه لم يكن في موقع الحادث! وأن الدماء الجافة الظاهرة على جثته دليل على أن زمن الإصابة سبق عملية التصوير بالمدة الزمنية ذاتها. وأن تلك البطانية التي لطخت بالدماء تشير إلى أن الجثة قد وضعت عليها بعد فترة وجيزة من الحادثة لتمنع نزيف الرأس.

وليس هذا فحسب بل استطاع المتخصصون أن يصوروا المشهد حينما قالوا إن المقتول كان في "وضعية دفاعية" بسبب مكان الإصابة في مقدمة الرأس. كما لاحظوا أن طلقة نارية أطلقت على صالح من مسافة قريبة جدا يرجح أنها أطلقت عقب وفاته بسبب عدم وجود تدفق واضح للدماء حينها.

ما يهمني في هذه القصة وأسرار خبير الأدلة الجنائية التي أذهلتني، ولا أود الكشف عنها لاعتبارات أمنية مجتمعية، أن ذلك كله يذكرنا بواقعنا السلبي من جهة وما نشاهده من نقاشات المجتمع حينما تحتدم ولا يكترث البعض لرأي المتخصصين. فيفتون ومالك في المدينة كما يقال. ويدلون بدلوهم في كل شاردة وواردة من دون أدنى اعتبار لأهمية إفساح المجال لمن هم أكثر منا علما بالتعليق. بل ونتناقل "الانطباعات" السطحية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وننسى "المعلومة" العميقة التي تنبع من المتخصصين، لو أننا منحناهم آذانا صاغية.

فكم من مهندس ماهر، أو قاضٍ فذ، أو قيادي مخضرم، أو متخصص في العلوم أو الفنون أو الثقافة أو شتى أنواع القوانين، لا نكترث به ولا برأيه وهو يجلس بين ظهرانينا لنمارس عاداتنا في تصدر الحوار رغم خوائنا الفكري والمعلوماتي. وننسى أن مصدر الفائدة وربما حتى المتعة قد يصدر من شخص ضليع يجلس في طرف المجلس.

والمصيبة الأكبر تبرز حينما نؤسس لجاناً مهمة أو نعلن عن حقائب وزارية تخلو من متخصصين أو تكنوقراط، في تجاهل مخيب للآمال للاعتبارات الإدارية وللمثل الشعبي "أعط الخبز خبازه".

كل الأمم التي تقدمت كانت وما زالت تولي للتخصص اعتباره، ولذا قالت العرب قديماً، أعط القوس (أو الرمح) باريها، أي ذلك الذي يجيد بريها لنصيب به جميعاً الهدف المنشود.

وكما قال الشاعر:

يا باري القوس برياً لست تحسنها... لا تفسدنها وأعط القوس باريها

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon