مؤسس دولة القيم

في عام زايد سيكون لنا وقفات ووقفات نتأمل سيرة ونستخلص العبر من مسيرة، ونتوقف بالدراسة عند زاوية أو ملمح بالتحليل والتفسير لكي نكتشف الجديد من صفات وخصائص تلك الشخصية العبقرية التي صنعت تاريخاً جديداً لهذه البقعة من العالم في الوقت الذي استشرفت فيه المستقبل.

فهيأتها للتعامل مع معطيات كان من الصعوبة بمكان أن يكون كذلك لولا الاتحاد، الذي أصبح اليوم أيقونة بين الأمم، ينظر العالم إلى ما يحققه من إنجازات جعلت منه تجربة غير مسبوقة في كافة مراحل ومقاييس التنمية، وغيرت من المراحل التي وضعها المنظرون للتنمية ورفاهية الشعوب وتقدم الأمم، الأمر الذي يجعل من يريد أن يبحث في أسرار هذه التجربة الوحدوية الخالدة أن ينظر إلى الأساس الذي قامت عليه.

ذلك أن الأمم والشعوب على مدار التاريخ أسست نهضتها أو مسيرتها على ثوابت تنطلق من خلالها، فهناك من اعتبر أن الاقتصاد هو القاطرة التي تقود تقدم الشعوب، وأنه الأساس لكافة أشكال التنمية سواء الاجتماعية أو الثقافية أو التعليمية، وأنها في مجملها متغيرات تابعة لمتغير مستقل ومن دونه يصبح الحديث عن التنمية لا أساس له. كما أن هناك أمماً أسست حضارتها على الفرد، وأن إشباع حاجاته هو الأساس وأنها كفيلة بتحقيق الرفاهية والتقدم.

من يتفحص سيرة مؤسس دولة الاتحاد، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، يجد أنه لم يكن فقط وهو يؤسس لدولة - عانى شعبها سنوات طوالاً من ظروف قاسية - لم يعن فقط بالتنمية الحضارية، وهي ملحة وتشمل الأسس التي تقوم عليها الحياة من مسكن وتعليم وصحة وغذاء.

وكذلك بناء هيكل الدولة من مؤسسات ودوائر حكومية وهيئات قضائية ودستورية وبنى تحتية واحتياجات معيشية للشعب، لكنه في الوقت ذاته كان يؤسس لقيم بشكل متناغم ومتسق مع ما يجري على الأرض من خطط تنموية غير مسبوقة.

من يقف بالتأمل أمام فكر الشيخ زايد، رحمه الله، يتضح له بشكل قاطع أنه كان يؤسس لقيم يرى أنها الحافظ لما يشيده من بنيان، وأنه طيب الله ثراه أدرك منذ وقت مبكر أن البناء المادي للدول من دون حاضنة قيمية يهدد صلابة البنيان وتذوب معه الهوية، لذا فإن من يطوف مع كلمات ورؤى المؤسس، رحمه الله، يجد أن له في كل مجال من مجالات الحياة أساساً قيمياً سعى إلى ترسيخه، في الوقت الذي كان البنيان يعلو ويعلو.

ولأنه أدرك، رحمه الله، أن التعليم هو أساس النهضة فاهتم بالتعليم باعتباره القاطرة الأساسية للتنمية، آية ذلك ما أكده أن «تعليم الناس وتثقيفهم في حد ذاته ثروة كبيرة نعتز بها، فالعلم ثروة ونحن نبني المستقبل على أساس علمي»، هذا الأساس العلمي هو الذي فتح الطريق لانطلاق مسيرة الإمارات العربية المتحدة.

ولم تكن نظرته في ذلك إلى الإمارات فحسب لكن إلى المنطقة بأسرها حين أكد «أنني أريد أن يتعلم كل أبناء الخليج، أريد أن يبني ابن الخليج بلاده بنفسه وبعلمه، إننا نرسل بعثاتنا من الطلبة إلى كل مكان من الأرض ليتعلموا وعندما يعود هؤلاء إلى بلادهم سأكون قد حققت أكبر أمل يراود نفسي لرفعة الخليج وأرض الخليج».

وفي ظل البناء، الذي لا يتوقف والآلات التي لا تهدأ، كان تكريسه لقيمة الأخلاق «من دون الأخلاق ومن دون حسن السلوك ومن دون العلم لا تستطيع الأمم أن تبني أجيالها والقيام بواجبها، وإنما حضارات الأمم بالعلم وحسن الخلق والشهامة ومعرفة الماضي والتطلع للحاضر والمستقبل».

الحديث عن المستقبل في تلك المرحلة كان البعض يعتبره نوعاً من الرفاهية، حيث إن الهم الأكبر كان بناء الحاضر، غير أن أصحاب الرؤى الكبيرة لا ينشغلون بالتاريخ دون الحاضر، كما لا يقطعهم الحاضر وحاجاته عن النظر إلى مستقبل الأجيال، وهو الأمر الذي سار عليه الخلف عن السلف.

وعندما نظر إلى المستقبل استمد قوته من حبل لا انقطاع معه حين قال «الإنسان السوي إذا لم يستخدم طاقاته الفكرية والعقلية ويعمل على تسخيرها في كل ما أمرنا الخالق سبحانه وتعالى فإنه لن يحصد إلا الأمراض والمتاعب النفسية والاجتماعية».

وأكد أن الإنسان هو القيمة الحقيقية والثروة التي لا تنضب، فكرس قيمة الاستثمار فيه قائلاً «إن الثروة ليست في الإمكانات المادية وحدها وإنما الثروة الحقيقية للأمة هي في رجالها، وإن الرجال هم الذين يصنعون مستقبل أمتهم»، ولأن العمل الجماعي هو أساس كل نجاح حرص رحمه الله على غرسه ذلك حين قال «إن على كل المسؤولين تشجيع العمل الجماعي والكشف عن الطاقات الخلاقة عند الشباب وتوجيهه بما يفيده ويفيد المجتمع».

في تقديري أن الشيخ زايد، رحمه الله، لم يؤسس هو وإخوانه حكام الإمارات لنهضة حضارية شامخة البنيان فحسب لكنهم في الوقت ذاته أسسوا لدولة القيم.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon