سيناريو التغيير في الخليج

منذ انبلاج القرن الحادي والعشرين والعديد من المحللين السياسيين يضعون العديد من السيناريوهات المتوقعة لمنطقة الخليج في العقدين المقبلين. بعض من هذه السيناريوهات مبالغ فيها لدرجة لا يتقبلها عقل ولا منطق ولا يمكن اعتمادها حقيقة واقعة بحكم المتغيرات الجيوسياسية المتوقعة والتي يحدث بعضها الآن والتي يمكن الاعتماد عليها كمحرك رئيس للتغيير في المنطقة. إما البعض الآخر فيمكن اعتباره شكلاً مقبولاً للتغيير المطلوب تبنيه في دول الخليج من أجل مستقبل أفضل لمنطقة الخليج وشعوبها.

فمنطقة الخليج من أكثر مناطق العالم تأثراً بالتغيير الحاصل في العالم من حولها، وهي أيضاً كما تثبت التقارير مؤثر كبير على العالم. فبعد فشل التنظيمات المتطرفة في إقامة كيان لها في منطقة الشرق الأوسط وبعد فشل مشاريع تقسيم العراق وسوريا وخلق دويلات صغيرة، وبعد تعثر العديد من المشاريع الخارجية الرامية إلى إحداث تغير داخلي في الخليج مرسوم من الخارج لم يتبقى إلا السيناريو القادم من الداخل والهادف إلى إعادة هيكلة البنى السياسية والاقتصادية كمنصة للإصلاح العام الذي سوف يقوم عليه مستقبل الخليج.

أحد أهم تلك السيناريوهات المقترحة يتوقع تفكك مجلس التعاون خاصة بعد الأزمة القطرية، الذي هز الثقة في هذه المنظومة واحتمال ظهور حلف أو منظومة سياسية خاصة بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين بحكم التقارب بين الأنظمة السياسية والأواصر الاجتماعية والاقتصادية التي تجمع هذه الأطراف.

وعلى الرغم من أن هذه السيناريوهات لا يمكن الاعتماد عليها لرسم واقع جديد لمنطقة الخليج إلا أنه من الواضح أن هناك واقعاً تجمع عليه دول الخليج جميعها ألا وهو سيناريو التغيير كخطوة أولية لرسم مستقبل أفضل لشعوبها.

فبنظرة عامة على المشاريع المستقبلية في دول الخليج نرى أن الجميع مجمع على أن التغيير الاقتصادي والإداري مهم في ظل التذبذبات الحالية في أسواق النفط والطاقة والحاجة الماسة إلى تنويع مصادر الدخل للابتعاد عن التهديد الذي يمثله الاعتماد الكلي على النفط.

فمن رؤية أبوظبي 2030 إلى رؤية المملكة العربية السعودية 2030 ودول الخليج الأخرى يبدو لنا بجلاء أن الجميع مجمع على الحاجة إلى تبني رؤية جديدة للاقتصاد والإدارة قائمة على تبنى أفضل الممارسات العالمية الرامية إلى مستقبل أفضل لشعوب الخليج.

ومن الواضح أن التغيير في دول الخليج لابد وأن يبدأ بالاقتصاد، حيث إن دول الخليج ومنذ نشأتها قد اعتمدت سياسة الرفاه التي يتطلب استمرارها استراتيجيات جديدة، في ظل المتغيرات الدولية الحالية.

التعامل مع المتغيرات والتحديات السياسية يأتي أيضاً ضمن أولويات دول الخليج والتي تشكل أيضاً منصة رئيسة للتغيير. فلا يمكن للعلاقات الخليجية - الخليجية أن تتطور في ظل وجود تضارب في المواقف بشأن قضايا أساسية على رأسها دعم الإرهاب والموقف من إيران وأذرعها الإرهابية التي تعمل على زعزعة استقرار المنطقة.

أن إرهاصات هذه المرحلة لوحدها كفيلة بأحداث تغيير جذري في منطقة الخليج بدءاً من المتغيرات الداخلية في كل دولة على حدة، وانتهاءً بمستقبل مجلس التعاون. فالسباق بين دول الخليج لتبني السياسات الجديدة وعقد الشراكات الاستراتيجية الإقليمية والدولية سوف يكون كفيلاً بإحداث تغييرات كبيرة على المستويين الداخلي في كل دولة خليجية على حدة، وعلى المستوى الخارجي الذي يتعلق بمستقبل مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

إن دول الخليج، والتي بدأت تأخذ مكانة متميزة على الصعيد الدولي، ترسل بين الحين والآخر رسائل تطمين داخلية إلى شعوبها بأن التغيير القادم سوف يحمل لها مستقبلاً أفضل ورسالة خارجية مفادها أن دول الخليج قادرة على التأثير على محيطها. رسائل الطمأنينة هذه مهمة على الصعيدين الداخلي والخارجي.

ففي الداخل هي مهمة لاستمرارية التنمية العامة وحشد الدعم الشعبي، وفي الخارج لبعث رسالة مفادها أن دول الخليج لا تعمل منفردة وإنما ضمن توافق إقليمي وعالمي مع المجتمع الدولي من أجل عالم أفضل يكافح الإرهاب والتطرف ويدعو لتعزيز الأمن والاستقرار.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon