الجاحدون

لم يحدث أن أفصح بعض الصهاينة الإسرائيليين عما يضمرونه من نكران لجميل أولياء نعمتهم وحلفائهم، مثلما راحوا يفعلون منذ بداية عام 2017. رياح المناسبات والذكريات والمجادلات الفارقة تاريخياً، التي حملها هذا العام، شقت صدورهم وأظهرت مكنوناتهم البغيضة تجاه أكثر الخلق انحيازاً لهم.

الأدبيات والمناظرات الفلسطينية والعربية الموصولة باستذكار مرور مئة عام على وعد بلفور (1917)، وثمانين عاماً على مقترح لجنة بيل البريطانية لتقسيم فلسطين (1937)، وسبعين عاماً على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 للتقسيم (1947)، وخمسين عاماً على استكمال احتلال فلسطين (1967)، هذه الأدبيات جميعها تستحضر بكل الأسى، حجم الانحياز المطلق لعواصم الغرب الفاعلة للجانب الصهيوني.

الأمر الذي أدى إلى ظلامة فلسطين والفلسطينيين. والعبرة هنا، التي يتنكر لها صهاينة اليوم، أنه بدون هذا الانحياز، ما كان لإسرائيل أن تقوم لها قائمة، وما كان لفلسطين وشعبها أن يتفرقا أيدي سبأ، وما كان للصراع الصهيوني العربي بكل توابعه أن يدمي وجه «الشرق الأوسط».

الصهيونية، على صعيدي الفكر والحركة، النظرية والتطبيق، هي صنيعة عالم الغرب وعواصمه. لكن الظاهر أن إسرائيليي 2017، يستشعرون أنهم على قدر من القوة والتمكين، بما يكفي لتحمل تبعات الاستغناء عن المدد الغربي، الذي لم يكن ممنوعاً ولا مقطوعاً عن مشروعهم الاستيطاني خلال قرن ونيف من السنين. هذا وإلا، ما معني أن يقول قائلون منهم في مناسبة مئوية بلفور، بأن «اليهود ما كانوا بحاجة إلى هذا الوعد، لأن دولتهم كانت ستنشأ بدونه.

من الذي منح اللورد بلفور أحقية التصرف في أرض إسرائيل. وإذا ما أقيمت دعوى لإدانته ومقاضاته، فإن على إسرائيل المشاركة فيها. وما مغزى أن يقول آخرون في مناسبة ذكرى التقسيم، بأن "القرار 181 حظي عند الإسرائيليين بمعانٍ أسطورية، وكأن دولتنا قامت بسببه. لكن الحقيقة أن استقلالنا جاء على خلفية استيطان اليهود وحصانتهم وقوتهم في البلاد، ولم يقدمه لنا الخارج على طبق من الفضة".

إلى هذا الحد من التبجح، ينكر أصحاب هذه التفوّهات، المعروف الذي أسدته لهم الأيادي الغربية السوداء. ولو كان المقام يتسع لذكرناهم بمطولات موسوعية، بما يودون نسيانه وطيه تحت بساط تاريخهم الدعائي المجبول بالإفك.

ولعله من المدهش حقاً أنهم لا يحاولون فقط شطب الرواية العربية الفلسطينية للغزوة الصهيونية بكل تفصيلاتها، وإنما يعمدون أيضاً إلى القفز عن الجوانب، التي يشتمون أنها تعرض لحقيقة ما جرى بلا رتوش أو تدليس في الروايتين الصهيونية والغربية ذاتيهما.

ومن ذلك بلا حصر: تجاهل كيف حفيت أقدام آبائهم من الصهاينة المؤسسين، وهم يتجولون بين العواصم الغربية الفاعلة دولياً، ويتوسلونها ويتسولونها، إلى أن صدر الوعد إياه باسم بريطانيا العظمي. وإغفال نكث معسكر الحلفاء غداة الحرب العالمية الأولى لعهوده مع العرب، وتسليم مفاتيح فلسطين للانتداب البريطاني، كي يطبق ما ورد بذلك الوعد.

يزهو صهاينة اليوم من فاقدي الذاكرة والبصيرة، بازدهار «استيطانهم» وقوته قبيل قيام إسرائيل، ولا تطاوعهم نفوسهم للإشارة إلى مسؤولية سلطة الانتداب الاستعماري البريطاني عن ذلك الازدهار وتلك القوة.

ولا ندري بأي شيء يجيبون عندما يسألون عن سبب زيادة نسبة اليهود إلى سكان فلسطين التاريخية، من مجرد 5 % إلى 40 % خلال أقل من ثلاثين سنة، تحت حكم تلك السلطة وعيونها الحولاء؟، ومن أين جاءهم المدد بالمال الوفير والسلاح المتطور والمدربين المحترفين والتسهيلات اللوجستية، للدرجة التي مكنتهم، بعددهم الذي لم يزد على الستمئة ألف نسمة، من تجييش نحو 120 ألف مقاتل، مقابل التضييق على أمة العرب، بحيث لم يقيض لسبع دول عربية، عددها ينوف على الأربعين مليوناً، سوى حشد نحو 35 ألفاً من الجنود، يحملون أسلحة بالية، في حرب 1948/‏‏1949؟.

أدعياء البطولة الصهيونية الخارقة بأثر رجعي، حتى على رعاتهم ومحازبيهم، لا يزالون يعيشون في وهم استفراد آلتهم الدعائية بالذاكرة الدولية، ويحسبون أن روايتهم الممجوجة قد تمكنت من محو حيثيات التاريخ الحقيقي لقرار التقسيم. وجوهرها، أنه ما كان له أن يرى النور بدون الضغوط والابتزازات والإملاءات المادية والسياسية، التي مارستها واشنطن على بعض أعضاء الأمم المتحدة.

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon