أسئلة الانتخابات في أميركا

النجاحات المهمة التي حققها الحزب الديمقراطي، الأسبوع الماضي، في انتخابات أجريت لمناصب عدة على مستوى الولايات تمثل جرس إنذار للحزب الجمهوري، حزب الرئيس وصاحب الأغلبية في الكونغرس، ولكنها لا تعني بالضرورة، حتى الآن على الأقل، أن الديمقراطيين قادمون لمواقع الأغلبية بالكونغرس في الانتخابات التشريعية المزمع انعقادها في نوفمبر 2018.

ففوز الديمقراطيين وهزيمة الجمهوريين حدث يطرح أسئلة مهمة تمثل إجاباتها المفتاح للنصر في تلك الانتخابات التشريعية.

فهزيمة عدد من الجمهوريين، خصوصاً أولئك الذين استخدموا خطاباً سياسياً مماثلاً لخطاب ترامب في اللعب صراحة على وتر الخوف من الأقليات وتأجيج الانقسامات العرقية والإثنية، ربما تمثل مؤشراً يحذر من أن ذلك الخطاب الذي استخدمه ترامب كان مناسباً لانتخابات غير مباشرة، كانتخابات الرئاسة، يمكن أن يحقق «المجمع الانتخابي» الفوز فيها لمن لم يفز بالأصوات الشعبية، ولكنه قد لا يكون كذلك في انتخابات أخرى في البلاد تقوم على الانتخاب المباشر.

وجرس الإنذار هذا له أهميته بالنسبة لانتخابات 2018 التشريعية، لأن حزب الرئيس الموجود في السلطة، وباستثناءات محدودة، عادة ما يخسر مقاعد في الكونغرس في الانتخابات التشريعية التي تجرى بعد عامين من توليه. والسؤال المهم في هذا الصدد هو ما إذا كان الجمهوريون سيخوضون الانتخابات التشريعية معلنين تأييدهم للرئيس ووقوفهم وراءه أم متخلين عنه وواضعين مسافة واسعة بينهم وبين أدائه.

أما بالنسبة للحزب الديمقراطي، فإن الفوز الذي حققه مرشحوه لا يعني بالضرورة إمكانية تكراره في 2018 على نطاق واسع دون توافر مجموعة من الشروط. فالأسبوع الماضي كان ذلك الفوز في جوهره نتيجة متغيرين؛ أولهما هو خروج الناخبين الديمقراطيين بأعداد كبيرة لصناديق الاقتراع بالمقارنة بغيرهم من الناخبين. وثانيهما أنهم أداروا حملات انتخابية ركزت في جوهرها على استغلال أخطاء ترامب والجمهوريين.

أما بالنسبة للمتغير الأول، فقد كان الناخبون الديمقراطيون الرافضون لأداء ترامب وسياساته الأكثر حماسة ولديهم الحافز الأكبر للخروج يوم الاقتراع العام لحسم النتيجة لصالحهم. صحيح أن نسبة مرتفعة من الناخبين الجمهوريين تؤيد ترامب شخصياً، إلا أن تأييد الرئيس لا ينسحب بالضرورة على دعم المرشحين الجمهوريين للمناصب الأدنى.

وتأييد ترامب من جانب الناخبين الجمهوريين لا يمتد ليشمل الناخبين المستقلين الذين أعطوه أصواتهم. فالتحول الحقيقي كان في أصوات المستقلين خصوصاً في الضواحي الذين أيدوا الجمهوريين في أكثر من انتخابات بل وأيدوا ترامب في انتخابات 2016. فهؤلاء تحديداً هم الذين أصابهم الإحباط من أداء الجمهوريين في المواقع المختلفة، بمن في ذلك الرئيس نفسه.

وسيظل موقف ذلك القطاع تحديداً موضع السؤال المهم بالنسبة للانتخابات التشريعية القادمة، خصوصاً إذا ما استمر عجز الرئيس وحزبه في الكونغرس على تحقيق إنجاز تشريعي مهم قبل نوفمبر من العام القادم، أو ما إذا حققوا مثل ذلك الإنجاز، أي أصدروا تشريعاً مهماً ولكن كانت له تبعاته السلبية عليهم. وما يجرى حالياً داخل أروقة الكونغرس حول مشروع إصلاح الهيكل الضريبي قد يصب في صالح الديمقراطيين.

فالواضح أن هناك انقسامات كثيرة بين الجمهوريين أنفسهم حول مشروع القانون بل الأرجح أن تحدث معركة بين الجمهوريين أنفسهم في مجلسي النواب والشيوخ الذين تقدموا بمقترحات متعارضة.

ومثل ذلك الانقسام قد يسمح بقتل مشروع القانون خصوصاً بعد صدور تقرير مكتب الميزانية التابع للكونغرس الذي يؤكد أن بنود المشروع من شأنها زيادة عجز الموازنة والتأثير بالسلب على الطبقة الوسطى.

أما المتغير الثاني الذي حقق الفوز للمرشحين الديمقراطيين، فكان أنهم أداروا حملاتهم الانتخابية بشكل ركز في جوهره على استغلال أخطاء ترامب والجمهوريين. لكن التركيز على أخطاء الخصم لا يمثل في ذاته استراتيجية انتخابية، في غياب رؤية واضحة لأولويات القضايا وطبيعة البرامج المقترحة، خصوصاً في ظل سيادة شعور بأن البلاد تسير في غير الوجهة الصحيحة كما تشير استطلاعات الرأي العام.

وهنا تكمن مشكلة الديمقراطيين الحقيقية. فمثلما توجد انقسامات بين الجمهوريين يوجد انقسام حاد داخل الحزب الديمقراطي بين معسكرين؛ الأول يرى أن الحزب مسؤول عن هزائمه حين تراجع عن دعمه للقوى الرئيسية فيه، من الطبقة العاملة للأقليات، من أجل الحصول على تمويل ضخم من قطاعات المال والأعمال، والتعبير عن مصالحها المتعارضة بالضرورة مع مصالح قوى الحزب الرئيسية، والثاني يرى أنه من الممكن تحقيق الفوز عبر تجاهل مصالح الطبقة العاملة والأقليات والاستعاضة عنها بأصوات المستقلين والناخبين الجمهوريين المعتدلين الذين لا تتعارض مصالحهم بشكل جوهري مع ممولي الحزب.

وهنا يكمن سؤال لا يقل أهمية، وهو المتعلق بالكيفية التي سيحسم بها الحزب الديمقراطي المعركة داخله. هل ستحسم لصالح طرف دون آخر، أم سيدخل الانتخابات متجاهلاً خلافاته ويقوم بترحيل حسمها لمرحلة لاحقة.

الانتصارات التي حققها الديمقراطيون الأسبوع الماضي لم تقدم إذن إجابات وإنما طرحت عشرات الأسئلة التي ستحسم إجاباتها الانتخابات التشريعية العام القادم.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon