مئوية الثورة البلشفية

في شهر نوفمبر الحالي يهل علينا ذكرى ثورة أكتوبر (حسب الشهور القديمة) الروسية والتي غيرت وجه العالم إلى الأبد. وقد أطيح بالقيصر نيكولاس الثاني في فبراير 1917، إلا أن الحكومة المؤقتة والتي شكلت لم تنعم بالاستقرار. فقد عم الغلاء وتفشت البطالة والتي وصلت إلى خمسين في المائة.

وقد استغل زعيم البلاشفة فلاديمير لينين الوضع المتردي والهّبات المتعاقبة وإضرابات العمال إلى القفز على الحكم. ولكن البلاشفة كانوا معترضين بسبب أن العملية ستنقلب عليهم وسيفقدون الكثير من الشرعية والشعبية التي كسبوها أخيرا. ولكن رئيس الحكومة ألكسندر كيرينسكي رام أن يستبق الأحداث وأمر بمداهمة مراكز البلاشفة لاعتقالهم وتدمير آلتهم الإعلامية من صحف ومنشورات. وهكذا فعلوا في 24 أكتوبر. واستشعر البلاشفة الخطر وترجحت كفة المنادين بالثورة المسلحة ضد الحكومة المؤقتة.

وبالفعل قامت القوات الموالية للبلشفيين إضافة إلى اللجنة العسكرية في 25 أكتوبر التي أشرف عليها ليون تروتسكي باحتلال كل المواقع الاستراتيجية في مدينة بيتروغراد (سانت بطرسبرغ) عاصمة الإمبراطورية الروسية ومقر الحكومة المؤقتة. ثم شنت القوات البلشفية هجمة على قصر الشتاء معقل الحكومة المؤقتة ومسكن بعض الوزراء في الحكومة. واعتقلوا أعضاء الحكومة ومنهم من فر خارج البلاد مثل الرئيس كيرينسكي، وأعلن لينين سقوط الحكومة قبل حدوث ذلك مما سرع في مصيرها المحتوم.

وأعلن سيطرة مجالس السوفييت على الوضع في البلاد. وفي الاجتماع الأول للمجالس السوفيتية انشق أعضاء المجلس واعتبر حزب المنشفيك أن انقلاب البلاشفة على الحكم غير شرعي وانسحب من الجلسة. ولم يكن يعلم المنسحبون أن فعلهم هذا سيكون لها تأثيرات كبيرة على تاريخ روسيا والعالم. فلقد كان البلاشفة يسيطرون على اقل من خمسين في المائة من أعضاء المجلس. وبعد انسحاب المنشفيك استطاع البلاشفة إقرار التغيير السياسي. وفي اليوم التالي، 26 أكتوبر، وبحضور لينين، أعلن روسيا جمهورية اشتراكية، وأن المجلس السوفيتي يحكم باسم القوى العاملة في البلاد.

وقامت السلطات الجديدة بإجراءات تأميم لكافة القطاعات الخاصة. أممت الممتلكات والمصارف والحسابات الخاصة. ولم يستثن البلاشفة حتى ممتلكات الكنيسة حيث قاموا بتأميم أراضيها وحساباتها البنكية. وألغوا الديون المتعلقة بالحكومة السابقة. وسيطر المجلس السوفيتي على كل المصانع. ولعل الفعل الإيجابي الوحيد كان في رفع أجور العاملين وتخفيض ساعات العمل إلى ثماني ساعات في اليوم.

وقد استعدت الحكومة الشيوعية أطرافاً عدة من ليبراليين ورأسمالين وديمقراطيين وملاك الأراضي وبعض جنرالات الجيش الإمبراطوري وأنصار القيصر. وحمل كل هؤلاء السلاح في وجه النظام الشيوعي. وكانت هناك حروب على عدة جبهات بين الجيش الأحمر الشيوعي وما عرف بالجيش الأبيض المناهض لحكم البلاشفة.

ولما كانت الحرب العظمى مشتعلة أوارها، فقد حظي الجيش الأبيض بدعم من عدة دول معادية للنظام الجديد والمتحالفة مع القيصر سابقا. وقد بلغ عددها ثلاث عشرة دولة من الحلفاء إضافة إلى حلفاء ألمانيا في الحرب البالغ عددهم عشرة بما فيهم الدولة العثمانية. أضف إلى ذلك أن أجزاء الإمبراطورية بدأت بالتصدع حيث أعلنت بعض الدول استقلالها وآزروا الدول المحاربة للنظام الجديد. وقد استمرت الحرب الأهلية لمدة خمس سنوات تقريبا، واستطاع الجيش الأحمر الحفاظ على النظام رغم خسارة بعض الأقاليم مثل مملكة بولندا، وفنلندا ودول البلطيق.

ويبدو أن الهجوم الخارجي على النظام الوليد شكل عقلية قيادية تأبه للأمن الداخلي والخارجي أكثر من حقوق الإنسان ورفاهه. وقد شرع الاتحاد السوفيتي في التأسيس لنظام قمعي داخلي، خاصة في عصر ستالين والذي وضع قواعد الدولة الشمولية المتسلطة لجميع مناحي الحياة.

وقد سال كثير من الحبر على تحليل وتأريخ النظام الشمولي السوفيتي وما عانته الشعوب السوفيتية وتوابعها في شرق أوروبا من وطأة النظام الشيوعي.

ولكن ليس هناك تعبير عن الحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في روسيا تحت حكم ستالين ابلغ من التعبير الفني الذي رسمه جورج أورويل في رائعته «مزرعة الحيوانات». وتدور الأحداث حول حيوانات في مزرعة في إنجلترا تثور على مالكي المزرعة وتطردهم وتستولي عليها بالكامل. وأسباب هذه الثورة الحيوانية على ملاك المزرعة أن الإنسان يستغل الحيوانات بشكل بشع. يستولي على نتاجهم من المحاصيل ولا يطعمهم بالقدر الكافي. وأن هذا طبيعة الإنسان يأكل عرق الآخرين ويستغلهم. بل يعمد إلى ضربهم بالسياط إذا لم يقوموا بالعمل الموكل إلى الحيوانات.

وكان شعارهم أن الأدمي سيئ وأن الحيوان جيد. وأن جميع الحيوانات متساوية. ويبدو أن الخنازير كانت تتمتع بذكاء أكبر من غيرها من حيوانات المزرعة واستطاعت أن تقود الثورة ومن ثم تسيطر على الآخرين.

ودب الصراع بين طبقة الخنازير والذي أدى إلى تصفية للخصوم. وانفرد أحد الخنازير ويدعى نابليون بالحكم وقد أحاط نفسه بكلاب شرسة تهاجم كل من يعترض على الزعيم الأوحد والقائد الأعظم.

وقد نقل الخنازير سكناهم من المزرعة إلى بيت المزرعة واستحوذوا على ما لذ وطاب من الأطعمة والمشروبات. وظلت بقية الحيوانات تكدح في خدمة النخبة الجديدة.

ومن المفارقة أن أورويل لم يستطع نشر قصته في العام 1943 بسبب أن الاتحاد السوفيتي كان يخوض حربا مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. وقد نشرت القصة لاحقا بعد أن وضعت الحرب أوزارها في العام 1945 واستعرت الحرب الباردة بين حلفاء الأمس.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon