مع بقاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية

شهدت الفترة الماضية، العديد من السجالات بشأن مستقبل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وقضية تماسكه وبقائه، خاصة في أعقاب الأزمة مع قطر، والتي تعتبر أخطر أزمة يواجهها المجلس طيلة حياته. كان تماسك المجلس وبقاؤه هو الموضوع الأكثر إثارة للجدل والنقاش.

كان الدافع وراء تلك السجالات، هو استطاعة هذه المنظومة التعاونية البقاء طيلة العقود الثلاثة الماضية، بكل ما مر بمنطقة الخليج من عواصف وأزمات، هو وراء تلك السجالات. وفي واقع الأمر، فإن هذا الجدل منطقي في ضوء القضايا التي توحد المجلس وتقسمه.

ففي دراسة نشرت في الولايات المتحدة من قبل إحدى المنظمات المسؤولة عن صنع القرار، ناقشت تلك الدراسة مستقبل مجلس التعاون، والمتغيرات الجديدة التي ربما تؤثر في بقائه متماسكاً، أو تخرج بقرار تجميد عضوية قطر فيه. وقد طرحت تلك الدراسة، الكثير من التساؤلات أو المؤثرات التي يمكن أن تؤثر في تماسك المجلس في الوقت الراهن وفي المستقبل القريب.

وعلى رأس المؤثرات موضوع الأمن القومي لدول الخليج العربية. وعلى الرغم من أهمية كل المواضيع السالفة الذكر، إلا أن قضية الأمن القومي لدول الخليج، هي قضية مهمة، يمكنها أن تؤدي إلى تماسك دول المجلس، أو يمكنها أن تؤدي في حال عدم الاتفاق والتنسيق إلى انهيار المجلس.

فدول الخليج مهتمة بالطبع في التوصل إلى حلول ترضي الجميع، في ما يختص بالمواضيع المشتركة، إلا أن موضوع الأمن القومي هو موضوع جماعي، ولا مساومة عليه، ولا يمكن لدولة خليجية أن تتخذ مواقف مغايرة بالمطلق لمواقف الدول الأعضاء الأخرى.

وعند استخدام كلمة التماسك في المواقف، يقصد بها قدرة دول المجلس على العمل معاً أو التنسيق أو التوازي في اتخاذ القرارات المصيرية.

وفي واقع الأمر، فإن تماسك المجلس خلال العقدين الأول والثاني من إنشائه، كان قائماً على قدرة دول المجلس على العمل بالتوازي لضمان تماسك المجلس من خلال التنسيق في صياغة السياسات العامة التي تخص الأمن القومي لدول الخليج، خاصة في ظل الأزمات التي مرت بها المنطقة، مثل أزمة احتلال الكويت، وتأثيرات الربيع العربي والصراع في سوريا والعراق، ومن ثم اليمن.

وخلال تلك الأزمات التي شهدتها دول الخليج، اختلفت درجة التماسك بين أعضاء المجلس، كما اختلفت الرؤى، ولكن تلك الأزمات لم تهدد تماسك المجلس، ولم تعرضه للتفكك والانهيار.

وعلى العكس، فقد شهدت بعض المواقف والأزمات، توحيد الرؤى، وخاصة في ما يتعلق بالإرهاب ومقاومته، حيث عكست مواقف دول الخليج، ميثاق مجلس التعاون في ما يختص بالأطر التي تحكم التعامل مع مثل تلك الأزمات والمواقف. ومن الواضح أن أياً من تلك الأزمات التي مرت بها منطقة الخليج العربي، لم تكن مثل هذه الإفرازات التي أحدثتها الأزمة الخليجية الحالية، والتي أصبحت تهدد وحدة المجلس وبقاءه.

لقد وضعت شعوب الخليج، ومن ضمنها الشعب القطري، آمالاً كبيرة على ديمومة المجلس وبقائه، ليس لأن الخليج بحاجة لتكتلات سياسية أو اقتصادية فقط، بل لأن الخليج بحاجة إلى منظومة سياسية وأمنية تحمى دوله وأمنه القومي من تلك الأطماع السياسية التي تحوم حوله.

وبالتالي، فإن شعوب المجلس لا تريد لهذه المنظومة أن تنتهي كما انتهت منظومات عربية سابقة، كاتحاد الجنوب العربي، والاتحاد المغاربي، واتحاد الجمهوريات العربية، وغيرها من المنظومات التي خضعت لأهواء سياسية وأطماع عسكرية أطاحت بها.

لهذا، فإن شعوب الخليج تتمنى أن يجنب مجلس التعاون هذا المصير المحزن، عن طريق تغليب الحكمة ومصلحة الشعوب على غيرها من المصالح الطائفية أو الأطماع السياسية الضيقة.

إن إطالة أمد الأزمة الخليجية، يمكن أن يقود إلى عدة سيناريوهات.

الأول هو إقصاء قطر عبر تجميد عضويتها في المجلس، لحين تغيير سياساتها الحالية، والسيناريو الثاني هو اعتبار مجلس التعاون منظومة تعاونية اقتصادية وتجارية، وبالتالي، العمل مع الأعضاء على هذا الأساس، وتجاوز الدور القطري بالمطلق، أما السيناريو الثالث، فهو الخروج من هذه الأزمة عبر الاقتناع القطري بأنها في واقع الأمر لم تذعن للدول الأعضاء، وإنما الإذعان لميثاق المجلس، الذي وقعت عليه قبل حوالي ثلاثة عقود، والذي ينص على تنسيق المواقف بالكامل مع الدول الأعضاء، بما فيها المواقف السياسية والأمنية.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon