التعليم ركيزة الأوطان

إن التعليم ركيزة الأوطان، ومعيار ارتقاء الدول، التي تتنافس فيما بينها على تطوير منظوماتها التعليمية، إيمانا بأن الطلبة هم رأس الثروة البشرية، والعدة المدخرة لبناء المستقبل الواعد، وأن الصروح التعليمية كالمدارس والجامعات هي صانعة وحاضنة للمعرفة والإبداع والابتكار.

ولنجاح التعليم عوامل كثيرة، ويؤكد التربويون أن العمود الفقري للتعليم وأساسه الأول هو تعليم الأطفال المهارات الثلاث الأساسية (Three Rs) القراءة والكتابة والحساب، ومتى اكتسب الطالب هذه المهارات في مراحله الأولى بجدارة امتلك مفاتيح الانطلاق في آفاق التعلم في مرحلته الراهنة ومراحله المقبلة.

مما يؤكد أن محور نجاح العملية التعليمية بيد معلمي ومعلمات الروضة والابتدائية الأولى (الصف الأول والثاني والثالث)، ومتى نجح هؤلاء في وضع اللبنة العقلية العلمية الأولى بكفاءة استطاع التعليم تحقيق نقلاته النوعية، وهذا النجاح غير مرهون فقط بنقل المعرفة للطالب، وإنما بتزويده أيضا بمهاراتها وطرقها المبتكرة، التي توصله لمعرفة الحلول باقتدار واستقلالية.

وهذا يؤكد بالضرورة الدور الكبير المنوط بالمعلم في تطوير العملية التعليمية، باعتباره المحرك الأساسي لها في صورتها الواقعية، والمسؤول الرئيس عن نقل الخطط إلى مرحلة التنفيذ، ولذلك قال ابن خلدون (ت: 808 هـ / 1406 م): «على قدر جودة التعليم وملَكة المعلم يكون حذق المتعلم».

ونقطة الانطلاق في ذلك هي اقتناع المعلم بشرف مهنته، ومسؤوليته الأخلاقية، وثقته بقدرته على صناعة العقول، وكسر الحواجز التي تحول بينه وبين أي عقل، على مستوى الطلبة جميعا على اختلاف مستوياتهم، ومتى وُجدت هذه القناعة كان المعلم حريصا على تطوير نفسه باستمرار والتزود بمختلف الأساليب الاستراتيجية في التعليم والتفهيم.

ومن أسس نجاح المعلم إلمامه بمادته إلماما دقيقا وواعيا، ليكون قادرا على تفهيمها وحسن توصيلها للطلاب بسهولة ويسر، ويُعزى إلى عالم الفيزياء آينشتاين قوله: «إذا كنت لا تستطيع شرح موضوع بسهولة، فأنت لا تفهمه جيدا بما فيه الكفاية»، ويؤكد ابن جماعة (ت: 733 هـ / 1333 م) أهمية دور المعلم بالتلطف في تعليم الطالب وتفهيمه.

وبذل الجهد لتقريب المعلومة إليه، وإيضاحها بالأمثلة، والعبارات الحسنة، واتباع أسلوب التشجيع، فمن أصاب أثنى عليه بين زملائه، ليكون دافعا له على المزيد من الاجتهاد، وأن يكون معيار التفاضل بين الطلاب التميز العلمي والسلوكي، لا غير.

ومما يعين المعلم على نجاح مهمته اتباع الطرق المبتكرة في التدريس، والاستعانة بالوسائل التعليمية، والعناية بالتعليم التطبيقي، ويرى ابن خلدون أن نقل العلوم العملية المحسوسة بالمباشرة (أي التطبيق) أكمل وأرسخ من الكلام النظري، ليصبح ما يأخذه الطالب في المدرسة حافزا له للتعرف على الحياة واستكشافها، فكثير من مواضيع مادة العلوم ومشتقاتها على سبيل المثال تحيط بالطالب في بيئته المنزلية وخارجها.

فإذا تحلى الطالب بالفضول العلمي والتفكير الاستكشافي أصبح علمه مرتبطا بالحياة ارتباطا مباشرة، كما إن التفاعل بين المعلم والطالب - بأسلوب الحوار والأسئلة ونحوها - له أثره الكبير في التعليم، قال ابن خلدون: «أيسر طرق الحذق في العلوم المحاورة في المسائل العلمية».

وإذا ذُكر التعليم فلا بد من ذكر دور الأسرة فيه، وهو دور أساسي في نهضة التعليم قديما وحديثا، فعلى سبيل المثال تعتبر إحدى سمات التعليم في اليابان مشاركة الأسرة في ذلك، والصلة الوطيدة بين المدرسة والمنزل، وفي كتابه أبعاد اليابان المعاصرة «Dimensions of Contemporary Japan» يذكر د. إدوارد بوشامب «Edward R. Beauchamp» بعض جوانب العناية الأسرية بالطالب.

مبينا أن جزءا كبيرا من وظيفة الأم في طوكيو هي إدارة جوانب تعليم أطفالها، والاستمرار في ذلك إلى أن يجتاز أولادها امتحان دخول الجامعات، ففي كل صباح تقوم بتهيئتهم، والتأكد من وجود كافة مستلزماتهم.

وإذا نسي الطفل إحضار قلمه مثلا يتم تذكير والدته بذلك لئلا يتكرر الأمر، وفي المساء تجلس كثير من الأمهات مع أطفالهن عندما يدرسون، للتأكد من قيامهم بذلك، وأحيانا لمساعدتهم على أداء واجباتهم، وعادة ما تجلب الأم الشاي أو المشروبات الأخرى إلى طفلها الذي يدرس.

بل قد تشحذ له أقلام الرصاص، إضافة إلى قيامها بوظائف تعليمية أخرى، كحضور اجتماعات مدرسية وغير ذلك، ولا شك بأن من الأسر المتميزة في العناية بالجانب التعليمي لأبنائها كذلك الأسرة الإماراتية التي تبوأ أبناؤها المراتب المتقدمة في المدارس والجامعات في الداخل والخارج.

ومما أشار إليه بعض التربويين ووزراء التعليم في الوطن العربي أهمية إدراك الأسرة الهدف الحقيقي من التعليم، وأنه لا ينحصر في تحصيل درجات فقط، بل الهدف تنمية الطالب علميا وتشبعه بالمعرفة، والدرجات أداة لقياس ذلك.

ولقد حرصت دولة الإمارات منذ تأسيسها على تطوير قطاعها التعليمي ليضاهي أرقى المعايير العالمية، مما مكَّنها من تحقيق مراكز ريادية في الاختبارات الدولية، وتهدف رؤية الإمارات 2021 إلى تحقيق نظام تعليمي من الطراز الأول، ومن مبادراتها في ذلك توحيد النظام التعليمي على مستوى الدولة، لتلبية متطلبات التنمية الشاملة والأهداف الوطنية العليا.

إن طلابنا هم أمل حاضرنا، وزاد مستقبلنا، ينطلقون في آفاق التعلم ليرفعوا راية وطنهم خفاقة عالية، قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حفظه الله في كلمته بمناسبة العام الدراسي الجديد: «أبنائي الطلبة، تزودوا بالعلم، وواظبوا على القراءة واكتساب المعرفة، وليكن التفوق والتميز والإبداع شعار مسيرتكم نحو المستقبل».

 

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon