العدالة بعيون «صهيونية»

يدور في بعض الأوساط الإسرائيلية الآن تناظر حول مدى حجية القوانين والأعراف والقرارات الدولية، في حال تعارضت مع المرادات والتطبيقات الحقوقية والقضائية ذات الطبيعة اليهودية أو الصهيونية.

إنهم يعيدون إنتاج العجلة، فالمفترض أن الخلق أجمعين اتفقوا فقهياً على أنه عند تنازع الأولويات تكون الكلمة العليا للقوانين الدولية. ولم يعد يثير الأراجيف حول هذه القناعة العالمية إلا النزر اليسير من ذوى الميول الشغوفة بثقافة حقوقية معينة، على أسس دينية أو طائفية أو قومية.

ومن المعلوم أن هؤلاء الأخيرين يواجهون ضغوطاً للانخراط في هذه القناعة والعمل بها. الحكمة هنا، أن فتح المجال أمام الجماعات الراغبة في استثناء أنفسها من الأطر القانونية والقضائية العالمية، يؤدى تلقائياً إلى فقدان هذه الأطر لصفتها، بما يجعل من عصيانها أو هجرانها والتمرد عليها أمراً يسيراً ومتاحاً لكل أصحاب أهواء وأهداف مغايرة لمضامينها.

للإنصاف، لا يخلو عالمنا من وجود مجتمعات تمارس موروثات وطقوساً ثقافية أو دينية تتعارض جدياً بدرجة أو أخرى مع المواثيق والصيغ الحقوقية الدولية. المجتمعات العربية والإسلامية تعرف شيئاً من ذلك، لكن هذه الظاهرة لا تنطبق على ما يضمره الصهاينة والإسرائيليون أو يمارسونه من توجهات حقوقية، لأن مخالفاتهم للمواثيق الدولية تتصل بقضايا لا يتناطح فيها عنزان

لا يندرج تحت بند الاختلاف الجائز مع هذه المواثيق، مثلاً، أن تسعى إسرائيل إلى اعتبار ذاتها دولة يهودية وديمقراطية، فيما يدين خمس سكانها بغير اليهودية، ففي ذلك إقصاء متعمد وموثق قانونياً (دستورياً) لهذه الشريحة العريضة جداً على أسس دينية؛ بما يرقى إلى الممارسة العنصرية الفجة بحقها.

ويمكن أن يقال مثل ذلك عن النصوص القانونية والتصريحات الشفهية والممارسات الفعلية؛ التي تدعو بشكل أو آخر إلى إبادة الشعب الفلسطيني أو ذبح الأمهات الفلسطينيات «لأنهن ينجبن ثعابين وإرهابيين». كذلك لا يمكن لعاقل أن يتسامح مع اعتقاد بعض الإسرائيليين بضرورة تقييد صلاحيات محكمتهم العليا، لأنها بزعمهم «تسعى إلى تطبيق القوانين الدولية المتعلقة بحقوق الأفراد ولا تمنح الأولوية للقوانين الإسرائيلية ذات الصلة، ولا تعتبر أن الشعب الفلسطيني كله عدو لإسرائيل..».

رب قائل إن مثل هذه الآراء المنحرفة أو المتطرفة توجد في كل المجتمعات، هذا مردود عليه بأن مشكلتنا مع إسرائيل أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، لأن الدعوة للتمرد على القوانين الدولية تنطلق من أعلى منابر الحكم والسياسة وصناعة القرار في الدولة، بل وتتبناها هناك بصلابة ايليت شاكيد وزيرة العدل، فضلاً عن زعماء أحزاب وقضاة ورموز دينية وفكرية وفقهية حقوقية متنفذة ومسموعة الكلمة.

الأحانين والميول العنصرية في هذا النموذج تعبر عن سياسة دولة؛ حتى إن النزاع بشأن حدود الفعل العنصري يجري بين مقامات حقوقية رفيعة كما هو الأمر بين وزارة العدل وبين المحكمة العليا، فهذه الأخيرة، وعلى الرغم من تجاوزاتها وأحكامها الجائرة بحق الفلسطينيين داخل ما يسمى بالخط الأخضر وخارجه، لا تحظى برضاء شاكيد، ولنا أن نتصور إلى أي درك أسفل تهوى إليه حقوق الفلسطينيين الفردية والجماعية في هذه الدولة، حين نسمع ونرى أن وزيرة العدل تسخر من العقوبات المفروضة على راشقي الحجارة منهم، وتطالب بسجنهم «.. لمدة لا تقل عن عشر سنوات، حتى لو لم تثبت تهمة الحاق الأذى برجال الشرطة».

مؤخراً، عنفت شاكيد المحكمة العليا لأنها «لم تقر قانوناً يسمح بطرد الأفارقة من إسرائيل، وتتواطأ مع خنوع الصهيونية أمام حقوق الأفراد المنصوص عليها عالمياً».

ومن دلائل هذا الخنوع «أن هناك قضايا أساسية تحسمها المحكمة لصالح حقوق الفرد وليس لصالح الشعب اليهودي». هل رأيتم جرأة مثل هذه على الصيغة العالمية لحقوق الإنسان؟ أليست سابقة تروى أن تأتى هذه الجرأة ممن تتبوأ منصباً يحمل صفة العدل؟ وإذا كانت هذه هي قناعة السيدة «وزيرة العدل»، فكيف الحال عند من هم دون ذلك قرباً واحتكاكاً بمفهوم العدل والعدالة؟

لا صوت في إسرائيل يعلو على صوت الصهيونية، لذا، لا يعبأ كثير من المسؤولين هناك بالاحتجاجات المستندة إلى المعايير الدولية للحقوق والعدالة، ولا تعنيهم تقييمات الجهات الحقوقية الخارجية لما تضطلع به «عدالتهم».

بصيغة أخرى، يقعد الإسرائيليون في تعاملاتهم مع الآخرين؛ الفلسطينيين بالذات، في موقع الخصم والحكم، ولا مجال هنا لمداخلة القوانين والقرارات والتنظيمات الدولية ونحوها، كونها طرفاً ثالثاً محايداً أو وسيطاً.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon