أطياف الحادي عشر من سبتمبر

الذين ولدوا في ذلك اليوم، أصبحوا الآن على أعتاب دخول الجامعة، والذين ماتوا في أحداثه، أوقد أهاليهم وأصدقاؤهم آلاف الشموع، وأقاموا الصلوات مئات المرات على أرواحهم التي صعدت إلى السماء، والذين روعتهم تلك الطائرات المجنونة التي انقضّت عليهم من السماء، ما زالوا يعالجون جروحهم النفسية.

أما نحن الذين عشنا أحداث ذلك اليوم لحظة بلحظة، فقد هَرِمنا، على رأي صديقنا التونسي الذي لا نعرف أين غدا، وشعرنا أننا عشنا أحداثاً أكثر مما يُفترَض أن يعيشها إنسان في عمر واحد.

إنه يوم الحادي عشر من سبتمبر، الذي تحل ذكراه اليوم، حاملة معها من التداعيات أكثر مما أثارته تلك الهجمات من حرائق وغبار في ذلك اليوم، الذي لم يشهد له التاريخ الحديث مثيلاً، إذا ما استثنينا الحربين العالميتين اللتين حصدتا ملايين البشر، وكان لكل منهما أسبابها التي لا تشبه أياً من الأسباب التي دعت «أسامة بن لادن» وتنظيمه إلى شن «غزوة منهاتن» الشهيرة، كما أطلق عليها بعد ذلك، عائداً بالتاريخ أربعة عشر قرناً من الزمان.

حين نعود بالذاكرة إلى الوراء ستة عشر عاماً، ونقف أمام أحداث ذلك اليوم، نستعيد لحظات الدهشة، ثم محاولة الاستيعاب، ثم محاولة تفكيك المشهد، ثم محاولة التحليل، لنجد أنفسنا قد عدنا إلى المربع الأول مندهشين، غير قادرين على الفهم، بعد كل هذه السنوات التي مرت على ذلك الحادث الجلل، الذي غيّر وجه التاريخ، فلم يعد العالم بعده كما كان قبله، ولم نعد نحن كما كنا، ولم يعد تنظيم «القاعدة» الذي تبنى تلك الهجمات كما كان، ربما لأنه لم يتوقع ردة الفعل العنيفة تلك من الولايات المتحدة الأميركية، التي تلقت أكبر صفعة لدولة تزعم أنها أكبر قوة على وجه الأرض، تملك من الإمكانات الاستخباراتية ما لا تملكه دول العالم مجتمعة.

فكيف استطاع تنظيمٌ تقيم قيادته في واحدة من أكثر مناطق العالم تخلفاً، أن يفلت أعضاؤه من عيون أجهزة استخباراتية متطورة، وأن يقوم 19 فرداً منهم بعملية كبيرة مثل هذه، يصعب التخطيط لها وتنفيذها بهذه الدقة والمهارة من قبل أعتى أجهزة المخابرات العالمية، إذا ما استبعدنا نظرية المؤامرة التي يأبى البعض إلا أن يتمسك بها، على طريقة الصحافي الفرنسي «تيري ميسان»، صاحب كتاب «الخديعة الكبرى»، الذي يشكك في الرواية الرسمية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001؟!

هل يجب أن نستعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بعد ستة عشر عاماً من ذلك اليوم الرهيب، أم يجب أن نتوقف لنبحث عما جرى بعد الحادي عشر من سبتمبر، قبل أن نبحث عما جرى قبله، باعتبار أن ما قبله كان معروفاً ومتداولاً، أما ما بعده فلم يكن متصوراً، مهما شطح بنا الخيال، وتجاوز حدود الممكن؟.

عام 2002، أصدر «فِلْ سكراتون» أستاذ علم الجريمة ومدير مركز دراسات الجريمة والعدالة الاجتماعية في جامعة «إدج هيل» بالمملكة المتحدة، كتاباً أطلق عليه «ما وراء 11 سبتمبر.. مختارات معارضة».

وقد تضمنت هذه المختارات بعض ما كتبه معلقون عالميون معروفون أمثال، نعوم تشومسكي، وروبرت فيسك، ونعومي كلاين، وجون بلغر.. وغيرهم، تقدم تفسيراً مفصلاً، من وجهة نظر كل واحد منهم، لما ستؤول إليه الأمور بعد الكارثة.

وقد اتفق المشاركون في هذا الكتاب، وبينهم محامون مدافعون عن حقوق الإنسان ومعارضون يقودون حملات ضد العنصرية، على معارضة التدخل العسكري في أفغانستان وما وراء ذلك، وعلى الهجوم على الحريات المدنية في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وأوروبا. بينما قال مؤلف الكتاب في مقدمته: «لقد أحدثت الصور المرعبة لارتطام الطائرات ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك وانهيارهما، أثراً لا يَمَّحي من نفوس الذين شاهدوا بث هذه الصور المفجعة المتكرر.

ومع ذلك، فإن عرض تلك اللحظات والساعات المصيرية الرهيبة على أوسع نطاق عالمي، على أنها تغيير للعالم، يخفي وراءه حقائق العلاقات الدولية والمصالح القومية التي تعززها. لقد شكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر التاريخ المعاصر، وستلقي ظلالاً ثقيلة على مقبل الأيام».

واليوم، بعد 16 عاماً من تلك الكارثة التي هزت العالم كله، نتلفت حولنا لنبحث عن تلك الظلال الثقيلة التي ألقتها على مقبل الأيام، لنجد أن ما أدى إلى وقوع تلك الهجمات وقتها ما زال بيننا، بل لعله تضاعف كثيراً عما كان عليه قبل «الحادي عشر من سبتمبر 2001»، المرفوض بكل المقاييس، وتنظيم «القاعدة» الذي كان يتربع على قمة المشهد وحده وقتها، تراجع إلى الصفوف الخلفية، واحتلت واجهة المشهد عشرات التنظيمات الأكثر تشدداً ودموية منه.

وإذا كنا نسمع عن عمليتين أو ثلاث عمليات إرهابية في العام تلك الأيام، فقد أصبحنا نسمع عن عملية أو نتوقع عملية كل يوم، وإذا كان القيام بعملية إرهابية يتطلب تخطيطاً يستغرق أعواماً، كما استغرق التخطيط لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، الذي بدأ منذ النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، فإن الذئاب المنفردة قد تكفلت بإلغاء هذه الترتيبات، واختصرت الزمن في أيامنا هذه، فأصبحت الشاحنات المجنونة تجوب الشوارع لتحصد الأرواح، وانتشر حملة السكاكين ليروعوا السكان الآمنين.

اليوم تطل علينا أطياف الحادي عشر من سبتمبر، بكل الذكريات الأليمة التي تحملها معها، لتذكّرنا بأن ما حدث بعد هذا اليوم كان هو الأسوأ، فهل حققت «غزوة منهاتن» أهدافها، أم أنها خرجت عن سيطرة من خطط لها وقام بها؟.

كاتب إماراتي

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon