درسٌ للتاريخ

في الدير الملكي بمدينة برغس الإسبانية Burgos يتسرّب صوت التاريخ المكتوم من أحد جوانب الدير حيث يتراءى عَلَمٌ من الحرير المطرّز بالذهب والفضة، طوله ثلاثة أمتار وثلاثون سنتمتراً وعرضه متران وعشرون سنتميتراً وعلى حواشيه آيات قرآنية ودعاء بخط عربيٍّ بديع.

لم يكن ذلك إلا عَلَم المسلمين في معركة غريبة الأطوار والملابسات والأحداث وفاجعة النتائج، معركةٌ خلّدها الرسام فرانشيسكودي باولا فان هيلدن ولا تزال محفوظة في مجلس الشيوخ الإسباني، تُظْهِر تفاصيلها ألفونسو الثامن ملك قشتالة وجيوشه تُثخن سيوفهم وحرابهم ونبالهم في جيش المسلمين بقيادة الناصر الموحدي.

كانت قد مرّت قرابة التسعة عشر عاماً على مرارة هزيمة القشتاليين وحلفائهم في معركة الأرك Batalla de Alarcos أمام المنصور أمير الموحدين وهي المعركة التي أوقفت انهيار الوجود العربي الإسلامي في الأندلس.

ولكن أسوأ الانتصارات هي تلك التي تحمل في داخلها بذور الهزيمة، وأردأ الأخطاء هي تلك التي يكررها الإنسان دون استفادة لأسبابها الأُوَل، لذلك كانت الكارثة التي حدثت في معركة العقاب أو كما يسميها الإسبان Batalla de Las Navas de Tolosa أكبر مِن أن تُحتَمَل، ولئن اعتبرها الأوروبيون أعظم معارك حروب الاسترداد Reconquista فإنها كانت الإسفين الذي دُقَّ في نعش الأندلس المسلمة ولم تَقُم لها بعدها قائمة!

هو درسٌ للتاريخ، لكننا لا نقرأ من التاريخ إلا ما يرضينا ويُشعرنا بالرضا، نقرأ باستفاضة عن الانتصارات فقط ونتغزّل بتلك الأحداث المجيدة ونؤلف عنها الكتب والتي لا تكون في الغالب إلا تَغَنّياً بها دون سَبْرٍ حقيقي للأسباب ومعرفةٍ بالملابسات، لكنّنا نمر سريعاً على صفحات الانتكاسات فلا نتعلم منها شيئاً فنسقط من جديد مرات ومرّات، ليس آينشتاين ولكنه التاريخ الذي يقول بأنّك إن قمت بالأشياء ذاتها باستمرار فستنتهي دوماً للنتائج نفسها!

هناك من يسعى لتسطيح الوعي و«سَذْجَنة» الفكر بما يطرحه من افتراضات مترهلة يحاول خلع التقديس عليها رغماً عنها، لا نختلف إطلاقاً بأنّ النصر من الله سبحانه، لكن النصر لا يأتي لمجرّد أنك مؤمنٌ تقي، لم يكن على الأرض ولن يكون هناك أتقى من محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته عندما هُزِموا في غزوة أُحُد.

ولم يكن عليها أشرّ من كفاّر قريش الذين حاربوا الله وأنكروا رسالته ولكنهم انتصروا، الانتصارات تتحقّق بحُسن التخطيط وحشد الطاقات وبناء السيناريوهات وبث الحماس والإعداد المتقن قبل المعركة، وليس بالذهاب لساحتها «على البركة» ظانّاً أنّه لمجرد أنك حَسَن العِبادة وتبتغي وجه الله فإنّك منصورٌ لا محالة، هذا مما لا يقوله عاقل ولا يتحدّث به من فَقِه أحداث التاريخ وسَبَر مواقعه ومنعطفاته!

المرارة التي شعر بها ألفونسو الثامن لهزيمته لم تجعله يتباكى على اللبن المسكوب أو يحاول البحث عن شماعة يُعلّق عليها فشله، بل قام سريعاً بلملمة قواته وعَلِم أنّ ذهابه لوحده لمعركة جديدة لن يعود بنتيجة مختلفة، فقام بالتصالح مع خصومه السياسيين سانتشو السابع ملك نافارا وألفونسو الثاني ملك البرتغال وبيدرو الثاني ملك أراغون، وراسل أينوسنت الثالث بابا الفاتيكان ليحصل على مباركته، وبالفعل أعلن البابا حرباً صليبية ضد «الكفّار» العرب لا يحل الغفران على مَن لا يشارك أو يساعد فيها، فتدفقت حشود الفرسان والمتطوعين من كل أوروبا!

على الطرف الآخر كان الموحدون تحت إمرة محمد الناصر حفيد المنصور بطل معركة الأرك، وكان شاباً صغيراً معتدّاً برأيه ولا يسمع إلا مشورة وزيره أبو سعيد بن جامع والذي كان شخصية حملت الكثير من الخُبْث والغموض، وكان سبباً رئيسياً ليس بهزيمة المسلمين في العُقاب ولكن في انهيار دولة الموحدين التي عمّ سلطانها المغرب الأقصى وجنوب ووسط الأندلس، فرغم أن جيش الناصر عندما عَبر مضيق جبل طارق قد بلغ رقماً هائلاً من محاربي بربر المغرب وعرب الأندلس إلا أنّ الوزير السيئ أشار للناصر بنصائح تسببت في كارثة العقاب.

طلب ابن جامع من الناصر أن لا يذهب مباشرة لقتال ألفونسو كما نصحه قوّاده وأعيان الأندلس وأن يُحاصر قلعة سلبطرة الحصينة، فأضاع على أسوارها ثمانية أشهر نفدت معها مؤن الجيش الكبير ومات الكثير منهم بسبب صقيع شتاء تلك المنطقة الجبلية بينما تحصّل ألفونسو على وقتٍ كافٍ لكي يجمع الحشود أكثر، في تلك الأثناء كان بطل الأندلس القائد أبوالحجاج بن قادس مع مائة من جنوده يتعرضون لحصارٍ مميت من جيوش ألفونسو في قلعة رباح على حدود قشتالة.

وعندما نفد الغذاء ويئس من نُصرة الناصر الذي بعث له الكثير من الرسائل لكن وزيره كان يُخفيها عنه، طلب الصلح مع ألفونسو ليسلّم له القلعة ويخرج وجنوده القِلّة سالمين، فتم لهم ذلك واتجه مباشرة لجيش الناصر للانضمام له، فكان جزاؤه أن قتله أمام الجميع بداعي التفريط بتلك القلعة النائية فحقد أهل الأندلس على الناصر لما فعله بقائدهم.

اختار الناصر منطقة مرتفعة قرب حصن العقاب معتمداً على تحكّمه بممّر ضيّق أراد أن يكون مصيدة لجيش ألفونسو وقام بترتيب جيشه بأسلوب ساذج مكوّن من صفّين فقط: المتطوعون والأندلسيون في الأمام وخلفهم الجيش الموحدي النظامي، وكأنّه أراد التضحية بالصف الأمامي لينهكوا العدو قبل أن يتدخل جيشه.

لكن ألفونسو وجد ممراً سرياً من خلال راعي أغنام ليفاجئ جيش الناصر والذي كان منعزلاً في خيمة يحيط بها العبيد، وفتكوا بالمسلمين بمعركة خاضها كل أمراء أراغون ونافارا والبرتغال وليون، وترك الأندلسيون المعركة نكاية بالناصر وكذلك تخاذل جنوده لأن ابن جامع أخّر رواتبهم قبل المعركة فهزموا شرّ هزيمة !

التاريخ لا يغفر للسُذّج ولا ينكسر قلبه لدموع الباكين ولا تلمّ صفحات مجده من لا يستطيع لمّ قلوب مَن حوله، التاريخ لا يملك نَسَباً ولا عقد «مقاولة» مع أحد، فمن أراد المجد أخذ بأسبابه ومن فرّط فيها فلا يلومنّ إلا نفسه.

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon