عام زايد والصرح التذكاري.. لماذا؟

هناك قادة نقشوا أسماءهم في قلوب شعوبهم والعالم بأحرف من نور وهناك قادة رسموا أسماءهم في سجلات التاريخ بأحرف من نار وشتان ما بين الصنفين. فالقادة الذين يترحم عليهم العالم هم من قاموا بأعمال جليلة يذكرها لهم التاريخ قبل ألسنة الناس.

من هؤلاء المغفور له الشيخ زايد بن سلطان الذي خلد التاريخ اسمه بين عظماء عصره. فالمآثر التي سطرها زايد والخدمات الجليلة التي أداها لدولته وللعالم أجمع أكبر من أن يحتويها أي سجل تاريخي وأعظم من أن تسجلها يد مؤرخ. هكذا حصد زايد حب الناس وتقديرهم في حياته وبعد وفاته.

خلال حياته كان زايد بعيداً عن الأضواء والشهرة البراقة التي تسلط عادة على المشاهير. كان زايد يعمل ويعطي ويبني من دون أي مقابل أو مصلحة سياسية أو أيدلوجية. لقد امتدت يداه إلى أكثر بقاع العالم فقراً وفاقة إلى بلدان إفريقيا وآسيا وحتى أوروبا يعمل بصمت ومن دون ضوضاء أو شعارات رنانة.

وعلى الرغم من الجوائز الدولية العديدة التي حصل عليها محلياً وإقليمياً ودولياً إلا أن الشيخ زايد لم يكن مثل الكثير من زعماء العالم وقادته الذين عاصرهم والذين ملأوا بلدانهم بتماثيلهم ونصبهم التذكارية ونصب انتصاراتهم الزائفة في حياتهم وبعد وفاتهم، كان زايد في تواضعه وفي حبه لعمل الخير بعيداً عن كل تلك الأضواء بل كان زاهداً في الشهرة التي كان الآخرون يسعون لها سعياً.

كان كل ما يريده زايد من وراء مساعدة الآخرين هو عمل الخير ونصرة المظلوم من أجل إسعاد الشعوب المظلومة وإرضاء ضميره وحسه الإنساني المتقد.

فقد كان زايد يشعر دوماً بأن عليه واجباً أخلاقياً وإنسانياً تجاه الآخرين مهما كانت خلفياتهم وأعراقهم وأديانهم طالما أن الله منحه الخير والقدرة على المساعدة. ولهذا فإن الكثير من تراث زايد وأفعاله لم نعرفه ولم يظهر للعلن إلا بعد وفاته.

الكثير من الزائرين لبلادنا يظهرون استغرابهم أنه لا توجد نصب تذكارية تخلد الزعيم الباني للأمة، ولعل إعلان وزارة شؤون الرئاسة عن إقامة «صرح تذكاري» يخلد الذكرى المئوية لميلاد القائد المؤسس، يلبي هذه النداءات، ويشكل منارة للأجيال المقبلة، وذلك في إطار إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عام 2018 «عام زايد».

إن عظمة زايد ليست في بنائه للدولة وليست في مده لأركانها لتصبح اليوم في مصاف الدول الكبيرة والمستقرة بل إن عظمة زايد تكمن في وضعه أسس هوية وطنية جديدة وولاء قومي احتل مكان الهوية والولاء القبلي القديم. لقد نجح زايد في تأسيس دولة قومية جديدة تعد اليوم إضافة جديدة إلى التاريخ الإنساني.

لقد نجح زايد في تأسيس دولة الإمارات في مرحلة تاريخية تعد من أصعب المراحل التاريخية. ولكن زايد نجح في وضع علامة فارقة في تاريخ المنطقة العربية كلها بتأسيسه لدولة مستقرة الأركان. كان زايد متفائلاً شغوفاً بالعمل الجاد مؤمناً بحلم كبير ومستعداً لتحقيقه مهما كانت الصعوبات. وهذه الصفات استقاها زايد من تراث المنطقة وتاريخها العربي الإسلامي.

ولهذا فإن تراث زايد اليوم لا يكمن في الاستمتاع بمباهج الحياة التي وفرتها لنا الوفرة النفطية بل في العمل الجاد من أجل الحفاظ على ذلك المستوى والإنجاز والارتقاء ببلدنا إلى مستويات أفضل. ولكن يظل أعظم عمل قام به زايد هو بناء الإنسان وتأهيله. فالتنمية البشرية كانت قريبة إلى قلب زايد ومؤمناً بها. فقد كان أكبر استثمار للدولة هو الاستثمار في البشر.

إن الاحتفاء بمئوية زايد أمر له دلالاته وهي دلالات تتعلق بشخصية القائد المؤسس وبدور زايد في خدمة قضايا الأمة والعالم أجمع وبحضور زايد المتألق دوماً في حياتنا وفي تراثنا اليومي وفي ثقافتنا الحياتية والمعيشية.

زايد الرمز وزايد القدوة وزايد الثقافة الشعبية جميعها مكونات يجب الاحتفاء بها وحمايتها من الاندثار وتقديمها للأجيال القادمة وللعالم أجمع. إن تخصيص العام 2018 للاحتفال بمئوية زايد هو في واقع الأمر احتفاء بقيم زايد وبتراث زايد المستوحى من تراث الأمة العربية الإسلامية وثقافتها.

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon