التركيز والإبداع

كل من كان يلتقي الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون تبهره قدرته الخارقة على تذكر أسماء الناس ومعلومات مهمة عنهم، إذ كان يتمتع بحضور اجتماعي غير عادي، كما يصفه كثيرون! فعندما يدخل إلى قاعة يشعر كل من يجلس على مقربة منه بأنه صديقه العزيز، حيث كان يوزع نظراته ومداعباته عليهم بالتساوي، ويتجاذب معهم أطراف الحديث بطريقة تشعر جليسه بأهميته.

واستمر هذه اللغز يحير خصومه السياسيين في الحملات الانتخابية الذين يريدون معرفة ما سر هذه الحفاوة والذكاء الاجتماعي، حتى توصلوا إلى أن كلينتون كان يلجأ إلى طريقة يومية لحفظ الأسماء، وهي تدوين اسم من يتعرف عليه على بطاقة ورقية بحجم كف اليد.

وكان يراجع مجموعة منها قبيل خلوده إلى النوم! أحد أصدقائه سأله في أيام الدراسة الجامعية: لماذا تفعل هذا؟ فقال كلينتون: لأنني أريد أن أخوض انتخابات الرئاسة الأميركية!

ولم يبلغ كلينتون مراده لولا أنه كان يدرك جيداً ماذا يريد؟ «فركز» على هدفه، فبلغ ما كان يصبو إليه. والتركيز مهم، ويكون تأثيره كبيراً إذا اخترنا مجالاً في الحياة نحبه، ويتماشى مع مواطن قوتنا، ويفضل أن تكون وظيفتنا في هذا المجال، لأننا نقضي فيها جل وقتنا. ابن قتيبة قال عبارة جميلة، وهي أن «من أراد أن يكون عالماً فليلزم فناً واحداً، ومن أراد أن يكون أديباً فليتسع في العلوم».

وبالفعل التركيز يقف خلف معظم النجوم اللامعين في العالم، فكثرة تشتيت المرء لنفسه في مجالات متعددة تضعف تأثيره. ولذا يقول الإنجليز «Don't Spread Yourself to Thin»، يعني لا تشتت نفسك فيكون تأثيراً أخف، مثل عجينة رغيف الخبز أو البيتزا كلما بسطناها صارت أكثر رقة وهشاشة.

وأشبه تركيز الناس على مجال محدد في الحياة بأشعة الليزر التي لم تكن لتصل إلى هذا المدى البعيد لولا كثافة تركيز الأشعة فيها. كما أن التركيز يوصلنا إلى أهدافنا بصورة أسرع ممن يشتت جهوده في وظائف كثيرة غير مترابطة أو مشاريع عديمة الفائدة أو الجدوى.

والتركيز يولد الإبداع، لأننا حينما نتقن فناً ما أو تخصصاً نحبه نصبح مؤهلين للانتقال إلى مرحلة أخرى، وهي الإبداع، أي الإتيان بجديد. ولذا تدفع جامعات العالم طلابها إلى دراسة تخصص معين، وإذا ما نال الطالب الدكتوراه، فإنه يبدأ مرحلة الإبداع وهي نشر دراسات جديدة بمواضيع غير مطروقة. وهذه هي روعة التركيز.

ولنا في العالم آينشتاين، والمصريين أحمد زويل ونجيب محفوظ (الحائزين جائزة نوبل) خير مثال على التركيز على قضية واحدة.

وربما يلاحظ البعض أن أصعب شخص ينافسك في العمل هو من يحب عمله، ويركز عليه، فالتركيز في مجال محدد يراكم الخبرة، فيصبح المرء مرجعاً في مجاله، وإذا ما غاب يفتقد.

وليس التركيز على مجال محدد مقصوراً على النجوم، فقد يسخر الفرد حياته في بر والديه، فيكون ذلك سبباً لفوزه في الدارين، أو تركز المرأة على تربية أبنائها، فتنجح في إعداد أسرة مثالية خلوقة تضيف لبنة جميلة في جدار المجتمع.

وتنبغي الإشارة إلى أن هناك من يضطر إلى العمل في وظيفة ما، على الرغم من أن اهتماماته مختلفة، وذلك لكسب قوت يومه أو تحقيق أهدافه المالية، لأن مجال اهتمامه الذي يعشقه لا يدر عليه مالاً، كالأنشطة التطوعية، أو ممارسة الرسم أو الكتابة، أو الرياضة وغيرها.

وبصورة عامة، لابد أن يحاول المرء التركيز على مجال أو مجالين رئيسيين في حياته، حتى يحسنهما ثم يبدع ويتألق ويصبح مثالاً يحتذى.. بالقدوة الحسنة.

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon