ماكرون يظهر طموحه الفعلي

أبهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأمة الفرنسية، دون دعم من حزب سياسي راسخ، وأصبح بعمر 39 عاماً أصغر رئيس شهدته فرنسا، في بلاد حيث التقاليد تعتبر وسيلة حياة. ومع مرور أكثر من ثلاثة أشهر على رئاسة ماكرون، تظهر مؤشرات أن الفرنسيين أصبحوا أكثر تشكيكاً برئيسهم الجديد.

وفيما لا تزال الأغلبية تقبل به، فإن شعبية ماكرون المرتفعة جدا في البداية تراجعت بنسبة 10% هذا الشهر، ويعزى الأمر في الأغلب لرفضه التراجع عن التزامات بخفض الإنفاق الحكومي.

كما إنه تعرض لانتقادات بسبب فشله في مساعدة المهاجرين، ودفعه نحو توسيع صلاحيات الدولة لمحاربة الإرهاب بطرق يخشى المنتقدون أنها سوف تحد من الحريات المدنية على نحو دائم. ومع ذلك، وانطلاقا من الجدول الزمني للرئيس الفرنسي الجديد، فإن انخفاض الشعبية لا يثير قلقا كبيرا، لأن عينه السياسية حددت إطاراً لغزو جديد على ما يبدو. قد يكون ماكرون رئيس فرنسا، لكنه يبدو أنه يخوض حملة من أجل منصب مختلف تماماً: وهو زعيم العالم الحر.

بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي خاض حملته على وعود نزعة انعزالية «أميركا أولا»، بدأ المعلقون في أنحاء العالم يشيرون إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بانها المدافع عن النظام العالمي الليبرالي بحكم الأمر الواقع. وكانت ميركل طوال حياتها المهنية الحافلة، قد دعت إلى الدبلوماسية والقانون الدولي، ودافعت عن اتحاد أوروبي متعب.

لكن ماكرون في الأشهر الثلاثة الأولى في المنصب، تجرأ على أن يخطو حيث ترددت ميركل في الذهاب. وتماشياً مع صورته الشابة، كان يطلق تصريحات جريئة دفاعا عن القضايا العالمية، مثل تحركات التغيير المناخي، لـ «جعل كوكبنا عظيماً مرة أخرى». ويستضيف بأسلوب «أوباما الفرنسي» المشاهير في قصر الإليزيه من أجل «محادثات» بشأن قضايا ساخنة.

وقد وضعته الخطة الأساسية لرئاسته الشابة تحت الأضواء العالمية، في محاولاته لسحر قادة العالم المتنفذين أو للتصدي لهم، وفي الغالب أولئك الذين لا يحظون بشعبية في فرنسا.

هذا لا يعني بأي حال أن شيئاً لم يحدث على المستوى المحلي منذ انتخابه في مايو. فقد نجح ماكرون الذين يعتبر دخيلا على السياسة نسبياً حتى عام مضى، في إجراء إصلاح كان لا يمكن تصوره للحياة السياسية الفرنسية، والحزب الوسطي الجديد الذي أسسه، الجمهورية إلى الأمام، له الأغلبية المطلقة في البرلمان. لكن بطرق خفية وغير خفية، يبدو أن طموحه الرئيسي لتاريخه يكمن في وضع نفسه في قالب سيد المفاوضات في عالم جديد، حيث كل الطرق تؤدي إلى باريس بطريقة ما.

يقول السفير الفرنسي السابق إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بيير فيمونت، في إحدى المقابلات: «فرنسا عادت إلى حد ما». مضيفا: «لدينا فرنسا تدفع بمصالحها قدماً، لكنها تفعل ذلك بطريقة يجعلها تأخذ موقفا وسيطا على المسرح العالمي، لأن فرنسا لديها رغبة في القيادة وترغب في أن ينظر إليها كذلك».

وقد أخذ الدفاع عن المصالح الفرنسية أشكالا مختلفة، بما في ذلك التحرك في اللحظة الأخيرة لتأميم أكبر حوض بناء سفن فرنسي مؤقتا، لإنقاذ الوظائف من عملية استيلاء إيطالية محتملة. لكن المسرح العالمي في الغالب هو ما وضعه ماكرون نصب عينيه.

لكن قدرة ماكرون على الإغواء لم تكن ظاهرة بشكل أكثر مما هي في حالة ترامب، الذي دعاه إلى باريس بعد الاجتماع الأول المتوتر بين الاثنين في بروكسل في مايو. وقد هيمن على القضية برمتها مصافحة مدتها ست ثوان تم تفسيرها بأنها عرض للذكورية الفرنسية.

وفي لقائهما الثاني كان ماكرون يبتسم بملء شدقيه، محتضنا ترامب الذي يتمتع بمعدل شعبية تصل إلى 14% فقط في فرنسا. وحتى بعد تعليق ترامب على شكل زوجة ماكرون، فان الرئيس الشاب أشار إلى نظيره الأميركي بـ «دونالد العزيز» ومدحه أمام الكاميرات.

كما أظهر ترامب في مقابلة مع نيويورك تايمز. وقال ترامب الذي رفض زيارة بريطانيا حتى يمكن لرئيسة وزراء بريطانيا تيريز ماي «تدبير» ترحيب حار له، إنه سأل ماكرون بداية ما إذا ستكون هناك تظاهرات في باريس، وسرعان ما أجابه بأن مشهدا من الفخامة العسكرية ينتظره في الشانزليزيه. ووصل ترامب، ولم تكن هناك احتجاجات في الأفق. وهو الآن يمجد «علاقته العظيمة» مع ماكرون.

ولم تشهد رئاسة ماكرون أزمة كبرى أو هجوماً محلياً. ولم يجر تطبيق أي من تلك المقترحات الرئيسية المتعلقة بالسياسة العامة بعد، بما في ذلك ضغوطه المثيرة للجدل لتحرير سوق العمل بأنظمته العديدة في فرنسا، والتي يمكن أن تلهم احتجاجات واسعة النطاق.

ومع أغلبية مطلقة في البرلمان، فإن ماكرون ليس معتاداً على المعارضة بعد. وكما قال للجنود الفرنسيين، وسط الخلاف بشأن تخفيضات الميزانية العسكرية: «أنا رئيسكم.. لست بحاجة لا لضغوط أو تعليقات».

لكن كما يعبر مواسي: «الأوقات الصعبة لم تأت بعد».

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon