الإمارات والتحول من مستورد للمعرفة إلى مصدر لها

تقوم الاقتصادات المعاصرة على المعرفة. وتشكل القدرة على تطوير مراكز محلية للخبرة والابتكار وتوظيفها لتصدير السلع والخدمات التي تولّد إيرادات مجزية، جزءاً أساسياً من النموذج الجديد للنمو الاقتصادي. ورغم غناها بالموارد الطبيعية، عملت الإمارات وقيادتها الرشيدة منذ زمن طويل، على التخطيط لاقتصاد ما بعد النفط القائم على المعرفة. وخلال الفترة التي امتدت من تسعينيات القرن الماضي إلى بداية الألفية الجديدة، ركزت استراتيجية الدولة على تسريع وتيرة النمو، من خلال استقطاب أبرز الخبرات والمواهب العالمية، للاستفادة منها في القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، مثل العقارات والضيافة والتعليم والرعاية الصحية.

وشكل استقطاب نخبة الخبرات العالمية المرحلة الأولى من مسيرة التطوّر الاقتصادي للإمارات. أما اليوم، فقد نضجت تجربتنا إلى حد يؤهلنا لتصدير معرفتنا وخبراتنا ورفد أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخارجها برأس المال الفكري والابتكار والبراعة، وذلك في إطار «رؤية الإمارات 2021».

وتركز هذه الرؤية على بناء «اقتصاد تنافسي بأيدي الشباب الإماراتي المتميّز بالمعرفة والابتكار»، وعلى أن تكون الإمارات من أفضل دول العالم من حيث التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإسعاد المواطنين والمقيمين. ولعلّ أكثر ما يدعو للتفاؤل في هذا السياق، هو ما نشهده من اعتراف رسمي بأهمية بناء اقتصاد مرن وقائم على المعرفة، تستند مزاياه التنافسية إلى الابتكار والبحث والعلم والتكنولوجيا. وهذا يعني بطبيعة الحال، تصميم أطر العمل والخدمات الحكومية بشكل يوفر بيئة العمل الفاعلة التي تحتاجها الشركات من أجل تحقيق النمو والازدهار وتسويق الأفكار المبتكرة وتعزيز القدرة التنافسية للدولة عالمياً. ولا شك أن اللوائح التنظيمية ستسهم بدورها في توفير أسواق عالية الكفاءة وحماية الملكية الفكرية، فضلاً عن تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتحفيز النمو وتوفير أكبر عدد ممكن من الفرص المجزية.

وتشمل الخطوة الأولى لتصدير المعرفة، إنشاء مراكز قادرة على ابتكارها والحفاظ عليها وتنميتها. وكانت قيادة دولة الإمارات، وخاصة في إمارة دبي، قد أدركت منذ وقت بعيد، الإمكانات الكبيرة التي تنطوي عليها المناطق الحرة، والتي تجمع الشركات على نحو يتيح إنشاء اقتصادات قائمة على شبكات المعرفة.

وتتمثل الخطوة الثانية في احتضان الشركات الصغيرة والمتوسطة داخل تلك المناطق الحرة، ودعمها بوصفها حافزاً حقيقياً، يسهم في دفع مسيرة الابتكار والتميز البشري قدماً. وتنطوي هذه الشركات على إمكانات هائلة، تؤثر إيجاباً في توليد المعرفة وإنشاء اقتصادات حيوية. وتشير توقعات التقارير الصادرة في هذا الإطار، إلى نمو إجمالي عدد العاملين في الشركات الصغيرة والمتوسطة ضمن منطقة الخليج العربي، ليصل إلى 20 مليون موظف بحلول عام 2020، مع إمكانية إسهام الدعم الحكومي الواسع في زيادة هذا الرقم إلى 22 مليون موظف. ولا ينحصر نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة في زيادة عددها فحسب، وإنما يمكن لها أن تصبح أكثر ذكاءً وابتكاراً. وتعيد إمكانات البيانات المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي إحياء مفهوم «العامل المعرفي»، الذي يجعل الاقتصادات المبتكرة القائمة على التكنولوجيا، بديلاً أفضل من الاقتصادات الصناعية التقليدية.

وتركز الخطوة الثالثة على نقل المعارف والخبرات المحلية إلى الأسواق العالمية التي تحتاجها، وتمكين الأفراد والشركات على نطاق واسع، وذلك من خلال تعزيز العلاقات على المستوى الدولي.

وتعد «موانئ دبي العالمية»، من الشركات الأكثر نشاطاً في ما يتعلق بمشاركة خبراتها في مجال الموانئ وإدارة الخدمات اللوجستية مع شركائها العالميين. ونحن فخورون بسجلنا الحافل، الذي يشمل إدارة وتطوير عدد من الموانئ الأكثر ابتكاراً على مستوى العالم، حيث نطبق خبراتنا حالياً في 77 ميناء في 40 دولة، وتمتد أنشطتنا لتغطي مناطق آسيا والمحيط الهادئ، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأستراليا، وصولاً إلى الأميركتين. كما يسهم عدد من الموانئ والأصول العقارية التي نديرها في إرساء معايير جديدة، تشمل مجالات التعلم الآلي، والأتمتة، ونظم الإدارة عن بعد، والصحة والسلامة، والمكاسب الناتجة عن تحسين الكفاءة التشغيلية.

ولا تقتصر الخدمات العالمية التي توفرها «موانئ دبي العالمية» على إدارة الموانئ فحسب، فقد عملنا على مدى سنوات طويلة على تصدير أفضل ممارساتنا، ونقل معارفنا إلى جهات ومناطق حرة وحكومات عديدة حول العالم استفادت من خبراتنا الاستشارية، ومنها كازاخستان وأذربيجان وأوكرانيا ورواندا، بالإضافة إلى المنطقة الحرة في العاصمة الرواندية كيجالي، وشبكات من السكك الحديدية التي تمتد عبر مساحات واسعة في شبه القارة الهندية.

لقد باتت «موانئ دبي العالمية»، تمتلك خبرة لا تضاهى في ما يتعلق بربط سلاسل التوريد مع المراكز الصناعية والمناطق الحرة، من خلال خدمات النقل متعددة الوسائط. ونستند في عملنا إلى تبني التقنيات والحلول الذكية، كبوابة «دبي التجارية» الإلكترونية، التي يتم من خلالها إنجاز 19 مليون معاملة سنوياً. وتماشياً مع هدف دولة الإمارات، المتمثل في التحوّل إلى دولة مصدرة للمعرفة، تتبع «موانئ دبي العالمية»، رؤيتها الخاصة بالتحول إلى جهة عالمية فاعلة في تمكين التجارة العالمية، وتسهيل انتقال السلع والخدمات والمنتجات بشكل أسرع وأكثر أماناً وموثوقية.

إننا نسعى لإتاحة خبرات دولتنا وتجربتها التنموية الرائدة للعالم أجمع، كما نتطلع إلى تحويل خبرتنا الإدارية وملكيتنا الفكرية إلى مصدر إيرادات مستدامة ومتنامية، تتيح لقيادتنا الاستثمار في المستقبل. وندرك أنه لا يمكن للقطاع العام أن يتحمل هذا العبء بمفرده، ما يحتم علينا كمؤسسات عالمية، دعم مساعي احتضان ونقل المعرفة، وتحفيز نمو مراكز الابتكار والشركات الصغيرة والمتوسطة إلى مستوى من الكفاءة والفعالية، يستقطب العملاء العالميين. ونفخر في «موانئ دبي العالمية» بكوننا قدوة في تكوين شبكة علاقات طويلة الأمد مع شركاء عالميين، تسهل تصدير المعرفة، وتحقق الفائدة للاقتصادات المتلقية والمصدرة، على حد سواء.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon