مدينة تحت الأرض

حينما كان العرب وغيرهم من شعوب الأرض يقطعون أكباد الإبل والدواب في طرقاتهم فوق الأرض قبل 150 عاماً، لجأ الإنجليز كعادتهم إلى فكرة مبتكرة في محاولة منهم لحل أزمة النقل لديهم، وذلك ببناء أول مدينة مترامية الأطراف من شبكة قطارات النقل السريع تحت الأرض حفاظاً على الطابع المعماري لمبانيهم العريقة من جهة.

وسعياً نحو تطوير طرق مواصلاتهم من جهة أخرى على نحو لم يسبقهم إليه أحد، الأمر الذي دفعهم للاحتفال، قبل بضع سنوات، بذكرى مرور قرن ونصف القرن على تدشين هذه الشبكة العملاقة التي تنقل سنوياً نحو مليار شخص وبمعدل 2.7 مليون رحلة يومياً.

ويبنى أيضاً حالياً تحت هذه القطارات شبكة أخرى من القطارات الحديثة ستفتتح بعد بضع سنوات تصل بالركاب إلى قلب لندن بسرعة قياسية.

وقد كانت تلك الشبكة الكبيرة (الحالية) التي تضم بعض محطاتها حالياً مولات تجارية صغيرة أو متاجر تجزئة متنوعة تحت الأرض، من تصميم شاب مبدع اسمه هنري بيك، اختاره البريطانيون ليصمم لهم هذه الشبكة المعقدة بسبب تناثر أماكنها.

فتمكن هنري من وضع خريطة ملونة بسطت للركاب قراءتها، الأمر الذي ما زال يجني ثمارها حتى يومنا هذا جميع الركاب فصارت خريطته هذه ملهمة لقطارات أخرى في العالم.

وقد زرت بنفسي متحف النقل البريطاني في لندن للاطلاع عن كثب على التجربة الإنجليزية فقرأت في أدبياته أن البريطانيين بنوا في أعماق الأرض أكثر من 400 سلم كهربائي escalators تساوي المساحة التي يقطعها كل واحد منها في تحركه الأسبوعي مقدار رحلتين حول الكرة الأرضية!

وهذا دليل على أن كل شيء ممكن، وأن الفكرة وإن كانت تبدو خيالية إلا أن إصرار القياديين عليها وتجاهلهم لكلام المثبطين يحولها إلى مشروع على أرض الواقع إذا كان مدروساً وفي الوقت المناسب.

فكم من مشروع وئد في مهده في عالمنا العربي بسبب خشية المسؤولين من ردود أفعال الرأي العام أو الإعلام أو البرلمان ناسين أن القيادي الواثق صاحب الرؤية هو من يدرس خطته جيداً ثم يحولها إلى واقع، حينها يترك حبلها على الغارب للمنتقدين.

وكم من مستعجل في انتقاده تراجع عن نقده بعدما تجلت له عظمة ما كان يدور في مخيلة القياديين الذين يحيطون أنفسهم بالأكفاء وليس »المطبلين« والمنافقين الذين يؤثرون كراسيهم على مصلحة الوطن والمواطنين.

إن شبكة القطارات الأرضية الإنجليزية التي يرتادها العرب يومياً يجب أن تذكرهم بأن هذه »المسارات القطارية« التي تسير بهدوء تحت الأرض ما زالت الأكبر والأعمق والأكثر ازدحاماً في العالم.

وستبقى شاهداً لنا على أن الإنسان إذا ما عزم على تحقيق شيء ما وتسلح بالعلم وجلب المختصين وأنصت إليهم وابتعد عن المزاجية والمحاباة فإنه بلا شك سيحقق مبتغاه، حينها فقط يستحق أن يشار إليه وإلى وطنه بالبنان.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon