إلى أين تذهب فرنسا؟!

أولاً كان «البريكست» ومن ثم دونالد ترامب، والآن حان دور فرنسا لانتخاب زعيمة الجبهة الوطنية «مارين لوبان»، كونها رئيسة لفرنسا، واستعادة البلاد مجدداً من نخب المؤسسة الحاكمة، وهذا شعور المحافظين عموماً الموجودين على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، إذا ما استطعنا شرحه بتلك البساطة.

لا تزال فرنسا محاصرة بالماركسية الثقافية، وأخيراً، في بوبيني، شمالي شرق باريس، التي يوجد بها عدد كبير من المهاجرين، حطم المتظاهرون النوافذ، ونهبوا المتاجر وأحرقوا السيارات متذرعين بسوء سلوك الشرطة.

الأمة في حالة تأهب قصوى للهجمات الإرهابية، والجنود دائماً ما يسيرون دوريات في الضواحي، وعندما أعلنت الحكومة الفرنسية، أخيراً، أن قاعدة برج إيفل ستحاط قريباً بجدار زجاجي مضاد للرصاص لأغراض أمنية، فإن ذلك كان بمثابة اعتراف رمزي أن الأمور قد تغيرت إلى الأسوأ.

وهناك قضيتان أساسيتان مهمتان في فرنسا في هذه الدورة الانتخابية: الثقافة والاقتصاد، والثقافة الماركسية مشكلة في فرنسا، وكذلك الأمر مع الماركسية الفعلية، ويستقطع من رواد الأعمال الفرنسيين نصف أرباحهم تقريباً للأمن المجتمعي، ونظام الرعاية الصحية.

الرواتب في فرنسا منخفضة الآن لأنه لم يبق إلا القليل فقط، في الوقت الذي تحصل فيه مافيات الاتحاد على نصيبهم، وتدفع الشركة الضرائب الباهظة للحكومة على كل راتب، وبحسب البيانات الأخيرة الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فإن فرنسا تأتي في المرتبة الثانية بعد فنلندا من حيث الإنفاق نسبة للناتج المحلي الإجمالي، وذلك لدى مقارنتها مع الدول الخمس والثلاثين الأعضاء في المنطقة.

فرنسا بحاجة ماسة إلى تحديث اقتصادها وإلى ثورة رأسمالية حقيقية، وللأسف عندما نتحدث عن الرأسمالية في فرنسا فإن ذلك يستفز في عقول الناس نوعاً من هيمنة المحسوبية الممارسة من قبل النخب الحاكمة، وعندما نتحدث عن الثورة يقال لنا إن الفرنسيين ليسوا مغامرين، لكن ربما يئِس الفرنسيون من المؤسسة، أخيراً، والأذى، الذي تسببت به لمعظم الناس، بما في ذلك مراعاتهم للمصالح الأوروبية مقابل السيادة الوطنية.

وقال لي صديق فرنسي يدعم لوبان: «اشترط على مدى عقود من الزمن على الفرنسيين ألا يفخروا ببلادهم». وسألته كيف يفسر ذلك. فرد: «لإيجاد أوروبا يجب أن تتخلص من الفخر الوطني».

الجبهة الوطنية تضحي بالاتحاد الأوروبي، بسبب مشكلات البلاد الاقتصادية، بينما يوجد فرض سياسة اللاحدود الناجعة مأزقاً سياسياً اقتصادياً، ويولد انتقادات صحيحة، ولا يزال الاقتصاد الفرنسي المستقل عن الاتحاد الأوروبي دمية روسية اشتراكية، وفي حال أزيلت فرنسا من الاتحاد الأوروبي، فسيكون من اللازم إصلاح الاقتصاد الاشتراكي أيضاً.

وعلى الورق فإن سياسات السوق الحرة الخاصة بالمرشح الرئاسي ورئيس الوزراء السابق فرنسوا فيون المنتمي للحزب الجمهوري جذابة أيضاً، باستثناء اقتراحه برفع ضريبة القيمة المضافة بنسبة 2%، حتى تتمكن الحكومة من إعادة توزيع تلك الأموال.

العادات القديمة تموت بصعوبة على ما أعتقد إلا أن فيون غرق في استطلاعات الرأي عقب أن وصلت المدفوعات إلى زوجته وأولاده قرابة مليون يورو من الأموال العامة، وهذا بالضبط من الفضائح، التي تعزز المشاعر السلبية الموجودة لدى الفرنسيين تجاه الرأسمالية.

المرشح المستقل ايمانويل ماكرون المصرفي السابق ووزير الاقتصاد الأسبق يضرب على الوتر الصحيح بشأن الحرية الاقتصادية، إلا أنه يدعم مؤيدي سياسة الباب المفتوح للهجرة، وتناولت حملته كثيراً العولميين وأصحاب المؤسسات البارزين، ونعم، هناك المرشح الاشتراكي أيضاً بينوا هامون، الذي يقيم حملة لإعطاء كل شخص دخل عالمي يصل إلى نحو 750 يورو شهريا، ويتسلم نحو 15% من الدعم في الانتخابات.

وبالتالي لا يبدو الأمر كأن هناك مرشحاً رئاسياً فرنسياً سيفرض الرأسمالية الحقيقية، وسيقضي على الماركسية الثقافية، ولا يزال من المفترض على المواطنين اختيار أحدهما، ولا يتم التعبير عن هذا الاختيار بطريقة مباشرة.

بالنظر إلى الافتقار إلى مثل هذا الحدث غير المحتمل- الذي يحصل فيه مرشح ما على أكثر من 50% من التصويت في الجولة الأولى من التصويت- فإن مخرجات الدورة الثانية قد تقرر إلى حد كبير من قبل الناس، الذين اضطروا على مضض اختيار مرشح لم يرشحوه في الدورة الأولى.

وتشير الاقتراعات إلى أن الفرنسيين لا يمانعون من انتقاء بديل من خارج المؤسسة، وكذلك شخص يعتبر نسخة من السوق الحرة لفيون، التي تتماشى مع طبيعة لوبان الوطنية والثقافية، في دفاعها عن الطبقة العاملة، ومن السيئ جداً أن أياً من المرشحين لن يعطيا كل ما يريدونه في حزمة واحدة.

 

Happiness Meter Icon