المناظرة الرئاسية الأميركية والأيديولوجيات

عند عزلنا لكل الإزعاج الصادر في خلفية أول نقاش رئاسي بين المرشح الجمهوري دونالد ترامب والمرشحة الديمقراطية للرئاسة هيلاري كلينتون، ندرك أن هذه المنافسة لا تتعلق بمجابهة اليمين لليسار على الإطلاق. لذلك فإن كل ما علينا فعله هو أن نتخلص من النماذج القديمة للجمهوريين والديمقراطيين لأنها لم تعد تطبق بعد الآن.

في مواجهة الانتقادات الشخصية أو المهنية، فإن كلينتون التي كانت ولمدة طويلة من الزمن لاعباً ومرشحاً أساسياً للمؤسسة الديمقراطية في هذا السباق الرئاسي، فإنها تميل لعدم إظهار مشاعرها الحقيقية وتخفيها خلف ابتسامة، وذلك لأن هذا هو ما أراد مستشاروها رؤيته.

ولا يبتسم أحد بطريقة كلينتون في الحياة العادية سوى الأشخاص الذين يقفون لالتقاط الصور على ركبتي بابا نويل، أمام شجرة الكريسماس في المركز التجاري، أو الأشخاص الذين يحاولون بيعك منتجاً عن طريق الحيلة. وينم الأمر عن الزيف، ليشعر الناس بالغرابة من الأمر الموجود خلف ذلك القناع.

لقد انسل ذلك القناع مراراً خلال المناظرة التي بدت فيها كلينتون أكثر تركيزاً على التفكير في الأمر الذي ستقوله حينها. وفي تلك الدقائق، وجدت أني أفضل الضحكة المخيفة. وفي هذه الأثناء اتهم النقاد ترامب بأنه غير مستعد، فضلاً عن إخفاقه في إيصال شعور التفاؤل إلينا. هل من الممكن أن ترامب لم يكن يشعر بأهمية الظهور أمام أميركا وأن يتصرف بمراوغة شديدة.

عكرت هيلاري المؤيدة للمؤسسة صفو ترامب المناهض للمؤسسة، وذلك بسبب الحديث عن نشره عائداته من الضرائب (فعلى الرغم من أن ترامب كان يراجع، بانتظام، مع السلطات الضريبية)، زعمت هيلاري بأن ترامب لم يدفع أي من ضرائب الدخل الاتحادية على مدى سنوات عدة.

وفي غضون ذلك، حققت كلينتون ملايين الدولارات من خلال «مؤسسة كلينتون» التي قبلت التبرعات من دول عدة، ومن مجموعة «سي40» للتغير المناخي، وهي مؤسسة تعنى بجداول أعمال التغير المناخي، ومن «غولدمان ساكس» و«سيتي بانك» و«بنك أوف أميركا»، و«ميرل لينتش» و«كريديت سويس» وجامعة «هوفسترا» التي استضافت المناظرة، أخيراً.

ويدرك ترامب أن الضرائب المفروضة على الجميع هائلة للغاية، ويتم إنفاقها بشكل ضائع على المشاريع الحكومية التي لا جدوى منها، وهو الشيء الذي نادراً ما تأخذه الشخصيات المؤسساتية في عين الاعتبار.

وحينما قال ترامب المناهض للمؤسسة إنه يخطط لتقليل معدل الضرائب على الشركات لنحو 15% من أجل إعادة الوظائف الأميركية، وتشجيع المشاريع الريادية، تصرفت هيلاري كأن الطبقة الوسطى لن تستفيد من ذلك الأمر، قائلة إنها خطة «ذات فائدة ضئيلة»، لتناشد الناخبين عدم الاعتماد عليها، وعلى نظرائها في المؤسسة لتحديد الأمور المناسبة لهم ولعائلاتهم، قائلة:

«ما أفكر فيه بأن أفضل الأمور التي يمكننا فعلها للطبقة الوسطى، تتمثل بأنه كلما استطعنا الاستثمار بشكل أكبر في الشخص، وتعليمه، ومستقبله، ومهاراته، فإننا سنكون في حال أفضل ونزدهر بشكل جيد». في حال لم تكن هيلاري وأمثالها مشغولين للغاية في تشويه صورة روسيا، فإنه من المحتمل أنهم قد تعلموا من الإصلاحات الضريبية التي حققها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وهو ما أفضى لزيادة الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بمقدار عشرة أضعاف منذ عام 2000. وقد اعتمدت تلك الإصلاحات على خفض معدل ضريبة الدخل إلى نحو 13% للأفراد و20% للمشاريع. وتنجح روسيا اليوم في رأسمالية ريغان بشكل أفضل من أميركا.

لقد وجدت المؤسسة لإطالة أمد عمرها، ولتأمين مقاعد أفرادها. وفي حال كان للمؤسسة أي مصالح شرعية للاهتمام بالطبقة الوسطى، فإنها كانت ستنجزها قبل فترة طويلة، قبل الآن.

ما الذي حققته هيلاري كلينتون التابعة للمؤسسة خلال سنواتها الكثيرة في الحياة العامة، وذلك لتشير إلى أنها ستحول نفسها، على نحو مفاجئ، لمنبع للأفكار الذكية؟ تعتمد المؤسسة على مدى ثقتك بكلماتها، من دون طلب تقديم دليل لإثبات الأفعال.

وفي غضون ذلك، حاول دونالد ترامب المعارض للمؤسسة، شرح كيف أن فكرة عقد صفقة ما يمكن تطبيقها على العلاقات الخارجية، وذلك لتجنيب بلاده إنفاق قدر كبير من الأموال الطائلة، وأوجاع الرأس. وقال ترامب «يجب على الصين التوجه لكوريا الشمالية»، فالصين قوية للغاية من حيث علاقتها بالأخيرة.

وهناك اتفاقية أخرى قوية، أجد بأنها أسوأ صفقة قد تمت على الإطلاق من قبل أميركا، ألا وهي الاتفاق الإيراني. إذ تعتبر إيران واحدة من أكبر الشركاء التجاريين. كما أن لديها نفوذاً على كوريا الشمالية. إن الطلب من الصين أو إيران فيما إذا كانت ستمارس أي تأثير على دولة كوريا الشمالية، يعتبر أمراً لم يجربه أحد من خارج المؤسسة، حتى اليوم.

كما قام به ترامب في السباق الرئاسي. يمكن لأميركا أن تختار «طريق ترامب» للازدهار المحتمل أو طريق هيلاري السريع إلى النسيان. ويظل الإزعاج الناتج من النقاش الرئاسي ما هو إلا الموسيقى التصويرية للرحلة.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon