إضراب فرنسا ويورو 2016

لطالما تساءل الأصدقاء والغرباء عن الأحوال في باريس خلال هذه الأيام، مع حلول بطولة أمم أوروبا لكرة القدم (يورو 2016). لكن لنضع الأمر على النحو التالي..

فحينما قدمت برنامجي الإذاعي المحلي باللغة الفرنسية بت أشعر وكأني إحدى مذيعات »راديو لندن«، ممن يوجهون بثهم لفرنسا المحتلة خلال الحرب العالمية الثانية، عدا أن الموجودين في الوقت الحالي يتمثلون بمجموعة متنوعة من الفوضويين، والنشطاء النقابيين، ومثيري الشغب في رياضة كرة القدم، فضلاً عن السياسيين الاشتراكيين، والمتطرفين.

لقد وسعت الحكومة الفرنسية، للتو، من التدابير الأمنية غير التقليدية، عبر نشر 10 آلاف جندي على امتداد البلاد، في حالة تأهب قصوى. ولكن كل ما يعنيه ذلك حقاً هو وجود 10 آلاف إضافيين من أفراد الجمهور. ومن هنا يمكن تطبيق نظرية »النوافذ المحطمة«، التي تشير إلى أنه عند تفاقم التخريب والفوضى..

فإن ذلك سيؤدي في النهاية لبزوغ الأعمال الإجرامية الخطيرة. فعلى الرغم من الإجراءات الأمنية المشددة، إلا أن مدينة مارسيليا لا تزال منطقة حرب، وذلك عندما اجتاح مشجعو كرة قدم، أخيراً، شوارع المدينة بأعمال شغب، في أعقاب مباراة بين روسيا وإنجلترا.

من المفترض أن تكون بطولة »يورو 2016« فرصة لتسلط فرنسا الضوء على نفسها، ويمكن تشبيه الأمر بأن تستضيف عملاءك في منزلك، وتريد من أطفالك أن يتصرفوا بأحسن ما لديهم. ولكن ماذا يمكن أن تفعل في حال قرر الأطفال استخدام عشاء العمل كفرصة لابتزازك؟ في حال كنت في فرنسا، فإنك ستجلس هناك متغاضياً، لأنك ملتزم بـ»الحرية«، وذلك فيما يقومون بأفعالهم أمامك.

لقد دعت نقابة »سي جي تي«، التي تعتبر أكبر اتحاد عام للعمال، إلى يوم آخر من الأعمال الجماهيرية في المدن على امتداد البلاد، للاستفادة من الفرصة لإيجاد المزيد من الفوضى، في الوقت الذي يفترض أن تظهر فيه البلاد سعيدة، في حين أنها ليست كذلك.

ووفقاً للسلطات، فقد جرت في 31 مايو الماضي، موجة من الاحتجاجات التي اجتذبت نحو 390 ألف متظاهر. ويحتج أولئك المحرضون على قانون عمل من شأنه تسهيل إجراءات إقالة الشركات للعاملين، فضلاً عن أمور أخرى.

يبدو الأمر كما لو أن نصف فرنسا في خضم احتجاجات إضراب، حيث تكدست القمامة في باريس، أخيراً، بفعل إضراب عمال جمع النفايات. (وقد عملت الخدمات الخاصة على التخلص منها، أخيراً، في مناطق مختارة). ناهيك عن أن اتحادات سيارات الأجرة الغاضبة من منافسة منافسيهم غير الخاضعين للتنظيم، كشركة (أوبر)، هددت بإغلاق الطرق بالقرب من الملاعب الأوروبية، كما أن عمال السكك الحديدية مضربون.

ووفقاً لما ذكرته تقارير، لا يقتصر نزول وفود كرة القدم الأجنبية، بشكل رسمي، في باريس فحسب، بل كذلك تفعل وفود اتحادات العمال الأجنبية، من كل من بلجيكا وسويسرا وإيطاليا وإسبانيا، بهدف المشاركة في عمليات الإضراب. وهكذا فإن المتظاهرين الذين حجزوا رحلاتهم على متن الطيران الفرنسي، لن يصلوا أبداً، لأن الطيارين الفرنسيين أنفسهم في إضراب أيضاً.

وفي تلك البيئة ذات »الحد الأقصى من الأمن«، عمد قاتل فرنسي الجنسية، يدعى لاروسي أبالا، ويبلغ من العمر 25 عاماً، والذي سبقت إدانته بتجنيد متشددين للقتال في باكستان، عمد، أخيراً، لطعن ضابط شرطة وزوجته، التي كانت تعمل في الشرطة أيضاً، في منزلهم بالقرب من باريس. ليعلن تنظيم »داعش« مسؤوليته عن عملية القتل.

لقد نصب مئات المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط، أخيراً، مخيمات مؤقتة وسط مدينة باريس، حيث تم الإبلاغ عن رصد حالات مصابة بالسل. وقد توجه المهاجرون لطلب المال والطعام من الغرباء في المناطق التي تشهد تواجداً كثيفاً للسكان حول المدينة. وأعلنت عمدة باريس، آن هيدالغو، أخيراً، أن المدينة ستقيم مخيمها الخاص لإيوائهم.

لا يعتبر ذلك سوى أحدث إخفاق من بين الإخفاقات الفرنسية العديدة الرامية لدمج أفراد من ثقافات أخرى في النسيج الاجتماعي للبلاد، وبالطبع لن يكون الأخير. لا يمكن نعت أي شخص بصفته فرنسياً، وافتراض أن ذلك كافٍ للتماسك الاجتماعي.

لذلك، فلتواصل فرنسا على ذلك المنوال، لتصبح البلاد بأكملها منطقة حرب، قريباً.

كاتبة كندية

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon