عامان ويُنهي أوباما ولايته كسياسي

انتخب الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2008 بوصفه سياسياً، وهو على وشك إنهاء رئاسته بهذه الصفة، بدلاً من إنهائها كرجل دولة، كما افترض كثيرون. وكما تبدو الأوضاع حالياً، فإنه من غير المرجح أن تبقى إنجازاته جديرة بالذكر تاريخياً، إلا كما يمكن لكارثة طبيعية أن تعتبر جديرة بذلك.

وقد يحاول أوباما ومؤيدوه إلقاء اللوم على الجمهوريين لكونهم «معرقلين» في أداء وظيفتهم كحزب معارض، لكن هذا عذر لتبرير الفشل في الوفاء بالالتزامات. ولم يسبق أن أبحر زعيم عبر ولايته في أي ديمقراطية، من دون معارضة.

وتعتبر القيادة وبناء الإرث والرؤية بعيدة المدى، من سمات رجل الدولة. وعلى نقيض ذلك، تعتبر المناورات التكتيكية في سبيل تحقيق نقاط أيديولوجية على المدى القصير، من سلوك الرجل السياسي. ولم يتبق لأوباما إلا عامان فقط لصياغة الإرث الذي سيعطيه التاريخ عليه الفضل، لكن اعتبارا من اليوم من المرجح أن تذكر رئاسته على الوجه التالي:

البطالة؛ ارتفع معدلها إلى 10.2% في أكتوبر 2009، ثم تراجع إلى 5.8% حاليا، وهذا يعود في جانب كبير منه إلى أن عدداً كبيراً للغاية من الراغبين في العمل توقفوا عن البحث عن عمل.

إصلاح نظام الرعاية الصحية؛ سببت أساساً المحاولة الطموحة المتمثلة في توفير الرعاية الصحية بأسعار معقولة، لملايين الأميركيين الإضافيين، زيادة في تكلفة الأقساط الغالية أصلا.

وقد أضاع أوباما فرصة توجيه سجال من أجل إيجاد حل أكثر إثارة للاهتمام بكثير، بطرحه السؤال: «ما هي الوكالات الحكومية عديمة الفائدة التي يفترض أن تعيد تخصيص ميزانياتها باتجاه الرعاية الصحية؟»، وكان بإمكانه أن يجد بضعاً منها.

وسؤال آخر كان يمكن أن يطرحه، وهو: «ما نوع الإغاثة التنظيمية التي يمكن أن نوفرها لشركات التأمين مما يتيح لها أن تظل قادرة على الاستمرار، بينما يجري استيعاب التكاليف الإضافية على الزبائن ذوي الدخل المتدني وحماية زبائنها الحاليين من الزيادات في التكلفة؟». وبدلا من ذلك، فإن أميركا عالقة الآن في النتائج الكارثية للتسوية السياسية.

البيئة؛ تعهد أوباما، أخيراً، بثلاثة مليارات دولار خلال قمة «منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ»، لمساعدة الدول النامية في التعامل مع تغير المناخ. ربما بإمكانه أن يرمي لي مليار دولار لمحاربة تغير المناخ الموسمي داخل شقتي، لأن خططي لشراء قمصان صوفية أو مكيفات هوائية، تعتبر أمرا ملموسا أكثر بكثير من أي شيء آخر يرمي أوباما عليه الأموال.

وفي الوقت نفسه، كان الرئيس الأميركي مصرا على منع تدفق النفط الكندي عبر خط أنابيب «كيستون أكس أل» إلى خليج تكساس، رغم أنه بدا موافقا على شحن هذا النفط عبر سكة الحديد ضمن عمليات أحد أصدقائه من أصحاب المليارات الذي يتبرع لحملاته.

أين يعتقد أوباما أن نزعته البيئية التي تدعي الورع ستأخذ هذا النفط الكندي في النهاية؟ إلى الصين حيث كان قادتها أخيرا يومئون برؤوسهم تأييدا، ويبتسمون بأدب، فيما يشيد أوباما باتفاق أميركي - صيني بشأن تغير المناخ!

الشؤون الخارجية؛ سحب أوباما تدريجيا العمليات العسكرية العلنية الأميركية في الشرق الأوسط، فقط ليعمل على إحلالها بتمرد مدعوم من الولايات المتحدة. وقد خرج من هذا التمرد تنظيم «داعش»، الذي قيل إنه وافق على الانضمام إلى قوات تنظيم القاعدة في سوريا.

وبالتأكيد لدى أوباما الموهبة في جلب الناس معا، باستثناء أعضاء الكونغرس. وكان الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان قد نجح في تنفيذ عمليات سرية وحالات تمرد في الشرق الأوسط، إلى جانب عمليات لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مناهضة للسوفييت في أفغانستان.

وتشكل العملية السرية المشتركة الكندية الأميركية المسماة «كاناديان كابر» لإنقاذ ستة دبلوماسيين أميركيين خلال الثورة الإيرانية، وهي موضوع فيلم «ارغو» الحائز على أوسكار، مثالاً آخر على هذا النجاح.

وليس من المفترض أن تصبح العمليات العسكرية واضحة للعيان إلى هذا الحد، بحيث ينتهي بها المطاف في الكونغرس، مع احتمال أن تخضع لتصويت للموافقة على تحرك عسكري علني، كما كان الوضع عندما تدخلت الولايات المتحدة في سوريا تحت أنظار أوباما.

والعمليات السرية من المفترض أن تكون شيئا يصنع منه بن أفليك فيلماً بعد عدة عقود، عندما تخرج جميع الجهات الفاعلة من الخفاء لتطرح في العلن وزن دور كل منها، ذلك أنه لا تزال تسود السرية بدرجة كبيرة.

روسيا؛ يخاطر أوباما بأن يصبح معروفا بالرئيس الأميركي الذي أعاد إشعال الحرب الباردة، هذه المرة مع بدء المواجهة الاقتصادية في أوكرانيا، وتسخينها إلى تمرد مستمر على مستوى منخفض على الحدود الروسية، فماذا ينبغي فعله الآن؟

تنتابني شكوك فعلية بأن أوباما يعلم بذلك. والأسوأ أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من المفترض أن يكون قد أدرك الآن أن إدارة أوباما جاهلة وغافلة عن الموضوع، وسوف يبحث عن فرص لاستغلال ذلك.

وفي غضون ذلك، فإن الحرب الباردة الجديدة تعمل على تعطيل العلاقات الأوروبية الروسية السلسة في العادة، من إمدادات الغاز وصولاً إلى تسليم حاملات مروحيات الهليكوبتر من طراز ميسترال من فرنسا إلى روسيا المقدر ثمنها بـ1.4 مليار دولار. ولم يبق أمام أوباما، الرئيس الذي فاز بجائزة نوبل للسلام، إلا عامان في سبيل تخفيف أثر هذا الإرث الهدام.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon