العالم في مواجهة نموذج مختلف للقيادة

تتعدد في فرنسا التقارير التي تفيد أن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، المنتمي إلى يمين الوسط، قد عقد العزم على العودة للحياة السياسية العامة، فهل يمكن أن تكون مرحلة الركود قد انتهت بالفعل هناك؟

لقد أصبح العالم أسوأ حالاً منذ أن غادر ساركوزي الساحة، وذلك للسبب عينه الذي دفع الجمهور الفرنسي لإخراجه من منصبه، فقد نظر إلى ساركوزي على أنه متغطرس ومندفع، وبعيد عن التروي في تصرفاته إلى حد البذاءة.

ومن المعروف في إطار الدائرة المحيطة بساركوزي، أنه لم يكن يؤمن بالتحرك الحاسم وحده، وإنما بالتحرك من خلال الإعلان عن التحرك، وكانت النتيجة مفهوماً عن النشاط الفائق أثار ضيق الرأي العام الفرنسي.

وقد أراد الفرنسيون أن يستيقظوا ذات صباح دون أن يكون وجه ساركوزي هو أول ما يطالعهم عبر أجهزة الإعلام، سواء كان ساركوزي وهو يركض متريضا، أو وهو يهاجم مسؤولاً في الاتحاد الأوروبي بسبب الضوابط السيئة لحركة الهجرة، أو وهو يعلن نشر قوات فرنسية في ليبيا، أو يقترح إصلاحاً آخر للدولة الفرنسية.

يحب الفرنسيون أن يشبه قادتهم البجعات التي تطل فوق سطح البحيرة، فربما تكون القوائم تحت المياه متحركة بجنون، ولكن المظهر فوق السطح ينبغي أن يكون مظهرا رشيقا فحسب.

والرئيس الحالي فرانسوا هولاند يناسب هذا الوصف بصورة كاملة، تماما كما كانت الحال بالنسبة لسلف ساركوزي الرئيس الأسبق جاك شيراك، وقد انطلق الرجلان بلا مجهود في التعامل مع الحروب والنساء ومن يطعنون من الخلف في الأحزاب السياسية.

ففي فرنسا يعتبر من قبيل الفن الرفيع أن تكون مجهولاً، بينما تبدو في الظاهر وكأنك لا تقوم بشيء فعلاً.

والمشكلة هي أنه من الصعب أحيانا، أن تحدد ما إذا كان القادة الفرنسيون يتعاملون مع الجزء الأول من المعادلة بشكل صحيح.

وفي حالة ساركوزي لم يكن هناك شك، فالأمر كان يشبه الاقتباس الفرنسي لراعي البقر جورج بوش.

وقد وصل السلطة بفعل مد القلق العالمي من الإرهاب وقضايا الهجرة المرتبطة به، وقد قال ساركوزي لامرأة في فعالية أقيمت في قاعة المدينة، إن فرنسا تتوقع من المهاجرين المسلمين أن يتوقفوا عن ذبح الماشية بالطريقة التي يعتمدونها في عيد الأضحى، ووعد بالمزيد من الضغط لتحقيق هذا الغرض، بينما يبدو واضحاً أنه لا يعرف عما يتحدث.

وهناك شيء مشترك بين ساركوزي وبوش، وهو القدرة على المضي في مسار عمل حاسم في مواجهة الانتقاد.

وبينما نجد أن قادة عالميين آخرين ربما لم يتفقوا معهما في مواقفهما أو أساليبهما، فإن قوتهما كانت موضع احترام، فما من أحد كان يقدم على دفعهما أو استفزازهما، من دون أن يزن بعناية العواقب المترتبة على القيام بذلك أو يأخذ في الاعتبار تفضيلهما للعمل على الكلمات.

وفراغ القيادة الذي تركه أمثال بوش وساركوزي، ملأه منذ ذلك الحين الافتقار إلى القرار وغياب الأمن والإحجام، متنكرة في إهاب الدبلوماسية والنزعة الفكرية.

والزعيم الأخير الذي بقي من هذه النوعية هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كان يحاول من طرف واحد إعادة صياغة النقاش العالمي، لأن القادة الغربيين هذه الأيام لا يمكنهم فيما يبدو أن يجيدوا القتال الحقيقي.

إن العالم متعدد الأقطاب لا يعمل إلا إذا كانت هناك أقطاب مختلفة موجودة ومتداخلة، ودون قادة مثل ساركوزي في أوروبا وبوش في أميركا، فإن العالم متعدد الأقطاب لا يمكن أن يوجد، حيث سيميل إلى الانجراف نحو الفوضى من دون تأثير الضغط الذي يضم كل شيء معا.

إن الافتقار المستمر للقرار وتأجيل التحرك المهم اللذين يجسدهما الرئيس الأميركي باراك أوباما في مواجهة تنظيم داعش، ليس قيادة وإنما هو طريقة لعدم القيام بشيء، فأنا يمكنني الجلوس في بيتي عاما بكامله «أوازن الخيارات» لترك المنزل، وسيعني ذلك بالفعل أنني قررت البقاء فيه.

إذا سلمنا بذلك فإن القيادة يمكن في بعض الأحيان أن تتألف من العمل غير الظاهر، فأعمال المرء لا يتعين دوماً أن يتم إعلانها باعتبارها حاسمة وفعالة، ولكن على الأقل ينبغي أن تكون قادرا على الإشارة إلى النتائج باعتبارها تبرر الوسائل.

ربما نكون قد سئمنا من النشاط المفرط لهؤلاء القادة، ولكنهم يتجاوزون البديل المتمثل في الصراخ عبر شاشات التلفزيون.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon