بوصلة واشنطن الضائعة في العراق

 شق مقاتلو تنظيم داعش طريقهم بسرعة في مناطق مختلفة من شمال العراق، فلفتوا الأنظار إليهم، بينما كان الكثيرون حتى أسابيع قلائل لا يكادون يعرفون شيئاً عنهم تقريباً. والأمر لا يبدو كما لو أن الرئيس الأميركي باراك أوباما في سبيله لإيقاف هذا التنظيم، فكل ما فعله هو أنه طلب من الكونغرس الأميركي 500 مليون دولار لدعم »المعارضة السورية«.

وبالطبع سيتم اختيار من يتلقون هذا المبلغ بعناية، تماما كما حدث في مراحل سابقة، وقد ردت روسيا على ذلك بالتحذير من مثل هذا التمويل، ولا شك في أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعني ما يقوله في هذا التحذير.

ولفت وزير الخارجية الروسي نظر الكثير من المراقبين، ببيان أدلى به أخيرا وقال فيه: »في ضوء الموقف الحقيقي على الأرض، فإن هذ الأرصدة الكبيرة إذا تم تخصيصها ستكرس كلية لتقوية ودعم الخلاقة التي أعلنتها داعش، وفي ظل الظروف التي قامت فيها الجماعات المتشددة بتأمين دورها السائد، وسط القوى المعادية للحكومة في سوريا، فإن أفضل الأسلحة وأفضل المقاتلين سينتهون بشق طريقهم إلى هذه الجماعات«.

وبإصرار أوباما على هذا التمويل، فإنه يوشك ايضا أن يلقي بحمل ثقيل آخر على سياسة التمحور في آسيا. وبينما تنفق الشركات الأميركية الملايين لمحاربة الإرهاب في بحر الصين الجنوبي لكي تبني بنية تحتية آمنة سيتم تأميمها ذات يوم لصالح الصين وروسيا، فإن مقاتلين إندونيسيين يسافرون إلى سوريا ويلتحقون بصفوف داعش، ويصبحون المتلقين الكبار للأرصدة التي يطلب أوباما من الكونغرس الموافقة عليها.

وما لم يكن الهدف النهائي هو إبعاد الإرهاب عن الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، فما هو على وجه الدقة الشيء الذي تعتزم إدارة أوباما تحقيقه؟ وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال، لا بد لنا من القول إن أوباما يخاطر بالتعرض لمشكلات أكبر مما يتصوره الكثير من المراقبين.

لقد وزع تنظيم داعش أخيرا خريطة عبر وسائل الاتصال الاجتماعية، تظهر أهدافا لامتداده في المدى القصير، وهذه الخريطة تشمل البرتغال وإسبانيا ودول البلقان، وشرق أوروبا، والهند، ونصف إفريقيا تقريبا، والدول التابعة للاتحاد السوفييتي السابق، وجزءا من الصين. هل نسيت أن أقول إن هذه الخريطة تعكس خطة داعش لخمس سنوات فحسب؟

يقال إن قائد داعش، واسمه أبو بكر البغدادي، رجل في صدر الأربعينات من عمره ويحمل درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، وهو يفضل في ما يبدو النهج العملي في التحرك الإرهابي، ويتحرك اعتمادا على نفسه، وبالاستعانة ببعض الشباب البارعين في الوسائط الاجتماعية، الذين يعرفون كيف يوظفون أفلام الفيديو الدعائية لإلقاء الفزع في النفوس.

وقد كانت إدارة أوباما بالغة البطء وتفتقر للفهم الصحيح لتوجهات مثل هذه الجماعة، وفي غضون ذلك، فإن فريق أوباما يقوم بكل ما في وسعه لتجنب إظهار أي مؤشر للقوة الفعلية، مفضلا الإشارة إلى القوات الخاصة التي يجري إرسالها إلى المنطقة على أنهم »مستشارون«.

هل هذه محاولة عرجاء للخداع، أم أنها محاولة ناجحة لإظهار الافتقار إلى الفهم الصحيح للموقف؟ من الصعب أن يحدد المرء طبيعة ذلك، وقد أقر وزير الخارجية الأميركي جون كيري على شاشة التلفزيون، بأن سيطرة داعش على شمال العراق قد جاءت مفاجأة لم يتوقعها أحد، ولكن ديل يويد المتحدث باسم وكالة المخابرات الأميركية، يختلف معه في هذه الرؤية على ما يبدو. لقد قال بويد: »كل من لديه إمكانية الوصول إلى مواد السي آي إيه الخاصة بداعش والعراق وقام بالفعل بقراءة نصها الكامن، لا ينبغي أن يدهشه الموقف الحالي«.

وفي غضون ذلك، فإن داعش وصلت حتى إلى الحديث المفضل لدى اليسار في ما يتعلق بحرب العراق، أي تسهيلات صدام حسين القديمة المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، وقد صرحت جين باسكي المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، لصحيفة وول ستريت بقولها: »إننا لا نعتقد أن المجمع يحتوي على مواد ذات قيمة عسكرية، وسيكون من الصعب إن لم يكن من المستحيل نقل هذه المواد بأمان«.

دعونا نعلق الآمال على أن داعش لن يقوم بنقل هذه المواد بطريقة غير آمنة، على نحو ما نقلت طائرة أينولا الأميركية الشهيرة بعض المواد فوق هيروشيما وناغازاكي.

متى سيتم إلغاء هذا الاستعراض؟ أليست 500 مليون دولار ثمناً غالياً يدفعه دافعو الضرائب الأميركيون من أجل موسم آخر من هذا العبث؟

 

Happiness Meter Icon