تعليم الفتيات هو طاقتنا المتجددة بامتياز

لطالما كنت أدهش كيف يعتبر بعض الناس أن اليوم الدولي للمرأة ـ الذي يُحتفل به في 8 مارس ـ هو يوم مكرس للنساء، وكأن الأيام الباقية من السنة، وهي 364 يوماً، هي أيام مكرسة للرجال.

والأمر على خلاف ذلك، إذ إن هذا اليوم إنما يتيح فرصة لجميع الرجال والنساء لتعزيز الوعي بما لدينا من طاقة كامنة وحاسمة الأهمية. فالمساواة بين الجنسين لا تمثل حقاً من حقوق الإنسان فحسب، بل تشكل أيضاً عاملاً من عوامل تعزيز التنمية، وتُعتبر واحدة من أعظم القوى التحويلية التي تتيح لنا بناء السلام وتحقيق الاندماج الاجتماعي.

إن تعليم الفتيات هو العامل الأساسي في إطلاق العنان لهذه الطاقة، بيد أن احتمالات تخلف الفتيات عن الركب في مرحلة التعليم الابتدائي تتزايد اليوم بشكل ملحوظ، كما أن 31 مليون فتاة يتخلفن عن الالتحاق بالمدارس في الوقت الحالي، ومن دون أمل في أن يتمكنّ من الالتحاق بمدرسة في يوم من الأيام. وحتى إن أمكنهن ذلك، فليس من المؤكد أنهن سيتمتعن بتعليم جيد النوعية. وهناك أكثر من 100 مليون شابة من اللاتي يعشن في البلدان ذات الدخل المنخفض وفي البلدان ذات الحد الأدنى من الدخل المتوسط، غير قادرات على قراءة جملة واحدة، حتى وإن كن قد حصلن على قسط من التعليم. وتبعاً لذلك، فإن النساء ما زلن يمثلن ثلثي الأميين البالغين في العالم.

تلك هي الحلقة المفرغة وما يقترن بها من ضياع للمواهب والمهارات البشرية، الأمر الذي لا يمكن أن يتحمله أي مجتمع من المجتمعات. فما من مجتمع في مقدوره أن يحقق تنمية مستدامة، بالاكتفاء بما نسبته 50% فقط من رأس ماله البشري. إن الآباء لا يتركون بناتهم خارج المنظومة التعليمية عن طيب خاطر، فحيثما سافرت، لم أر إلا من يتوق توقاً قوياً للالتحاق بالمدرسة والانتفاع بالتعليم. وحتى في أشد المناطق فقراً وتهميشاً، بل وفي فترات الأزمات والنزاعات، فإن الأسر لا تتردد في التضحية بالغالي والنفيس، ولا في إهمال وجبات غذاء، ولا في تحدي الصعاب من أجل إلحاق أبنائها بالمدرسة، وذلك حتى لو كانت قاعة الدرس مجرد ظل شجرة، أو لو كان القلم مجرد عود يُستخدم في الكتابة على التراب.

إن كل ما ترغب فيه هذه الأسر إنما يتمثل في تعليم جيد النوعية، وفي توافر معلمين ذوي كفاءة، فضلاً عن بيئة آمنة لا يتعرض فيها أبناؤها للأذى أو للتحرش أو للاغتصاب. كما أن هذه الأسر تطالب بتوفير وسائل مواصلات آمنة، إذا كانت المدارس تقع في مناطق بعيدة عن مساكنها. وتتجاوز بكثير احتياجات هذه الأسر مجرد تشييد المباني المدرسية، وذلك لأن توفير تعليم جيد النوعية إنما يستلزم سن قوانين جديدة، ووضع مناهج دراسية جديدة، وتوفير إعداد جديد للمعلمين، وفي نهاية المطاف، تعبئة شتى الحكومات من جديد، وذلك على أعلى مستوى ممكن، فعلينا إذاً أن نستجيب لهذه المطالب.

ومن بين العوامل الأساسية لتحقيق النجاح، التركيز على توفير التعليم الثانوي للفتيات. وفيما يخص الأطفال الصغار، فقد تم أخيراً، إيلاء اهتمام كبير لهم في صياغة السياسات التعليمية، وذلك من الأمور الإيجابية التي تستحق التنويه. غير أن فترة المراهقة هي فترة حرجة وحساسة بالنسبة إلى الفتيات، فهن اللاتي يواجهن أكبر خطر للتسرب من المدرسة. أما إذا اكتسبت الفتيات المهارات الحيوية التي تتيح لهن الحصول على فرص عمل ويصبحن مواطنات فاعلات، فإن ذلك إنما يُعد نقطة تحول حاسمة الأهمية.

وجدير بالذكر أن الهدف الأساسي الذي تسعى إلى بلوغه «شراكة اليونسكو لتعليم الفتيات والنساء» ـ التي انطلقت في عام 2011 ـ إنما يتمثل في الإبقاء على الفتيات في المدرسة، وفي ضمان أن يحصلن على التعليم الذي يحتجن إليه ويرغبن فيه. وسوف يتم تقديم المرحلة الثانية من هذا المشروع الطموح، إبان انعقاد «المنتدى العالمي للتعليم والمهارات» الأسبوع المقبل في دبي.

من الممكن إحراز النجاح، شريطة أن يقترن ذلك بتوفير الموارد ورسم السياسات الرشيدة. كما أنه من الممكن إحراز تقدم سريع صوب تحقيق المساواة بين الجنسين في مرحلة التعليم الثانوي. وقد أتاحت التكنولوجيات الحديثة إمكانات جديدة للوصول إلى الجماعات المهمشة، ولإعداد المعلمين المؤهلين. كما التزمت مجدداً بلدان عدة، مثل أفغانستان وباكستان، بالتركيز على مجال تعليم الفتيات؛ وقد أطلقنا منذ وقت قصير في باكستان «صندوق ملاله الائتماني لتعليم الفتيات»، الذي يرمي إلى الحد من أوجه التفاوت بين الجنسين في التعليم المدرسي، بحيث تنخفض، قبل عام 2016، إلى ما نسبته 5% بعد أن كانت تبلغ 10%. وفي الوقت عينه، علينا أن نسلم بأن التعليم، في العديد من مناطق العالم، ما زال يُعتبر ذا أولوية متدنية، وبأن تعليم الفتيات لا يحظى إلا بأدنى درجات الأولوية.

وعلى الحكومات في شتى بقاع العالم، أن تفهم أن تعليم الفتيات إنما يعود بالنفع على الجميع. وثمة أمثلة ساطعة على ما ينطوي عليه تعليم الفتيات من أثر قوي، يفوق انخفاض معدلات وفيات الأطفال. فمنذ عام 1990 أففضى تحسين تعليم الفتيات في سن الإنجاب، إلى إنقاذ حياة ما يقدر بـ2.1 مليون طفل دون سن الخامسة.

ويمثل ذلك أكثر من نصف مجموع الأطفال الذين أُنقذت حياتهم والبالغ عددهم 4 ملايين طفل، تبعاً لانخفاض معدلات الوفاة أثناء هذه الفترة، أما النمو الاقتصادي فإنه شهد معدلات تقل عن 10% من المجموع. وفي ما يتعلق بالأمهات المتعلمات فإنهن أميل إلى تطعيم أطفالهن، كما تقل احتمالات إصابتهن بمرض الملاريا أو بأمراض أخرى. أما الفتيات المتعلمات فإنهن يصبحن نساء تتوافر لهن أفضل الفرص بحيث يستطعن اختيار أنماط عيشهن، وذلك في ما يتعلق بهن وبأسرهن، كما أن التعليم يتيح لهن الانخراط بالكامل في مجتمعاتهن. فالتعليم إذاً، لا يمثل حقاً للفتيات فحسب، وإنما هو حق لنا جميعاً؛ فلنتمتع به كل يوم من أيام السنة.

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram
متوفر في App Storeمتوفر في Google Play

لأكثر شعبية

الأكثر قراءة

  • حمدان بن محمد: المرجلة والطيب والناموس

    في قصيدة له بعنوان (حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم)،

  • داعش ليس هو الخطر الوحيد

    الدعوة التي تقدم بها الرئيس المصري عبدالفتاح السياسي الأسبوع الماضي لقيام تعاون عربي مشترك لمواجهة داعش هي دعوة في محلها،

  • روكسلان زوجة سليمان القانوني المفترى عليها

    لم يكن في ظنّ ميرال أوكاي، التي ولدت في أنقرة سنة 1959، وهي كاتبة سيناريو مسلسل القرن العظيم أو ما ترجم عند العرب "بحريم السلطان"

  • يتطاولون.. ولا نسكت ضعفاً

    كعادته توج بطلا لبطولة كأس الخليج للقدرة والتحمل في دولة الكويت، وعاد من عند الأشقاء محملا بالحب والفرح والمشاعر الجياشة،

  • مع التواصل ولكن!!!

    لانختلف على أهمية دعم المواهب الوطنية في أي مجال كان، بل إننا ندعو ونطالب به المؤسسات دائما وأبدا لأننا نؤمن بأن تلك المواهب

  • حديث الرئيس

    كانت كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية الشقيقة شاملة وموجزة موجهة للداخل المصري وللخارج الإقليمي والعالمي،

  • ما يفعله داعش في بلاد الإسلام

    لا يمر يوم دون أن تطالعنا وسائل الإعلام عن الفظائع والجرائم الوحشية التي يرتكبها تنظيم داعش في بلاد المسلمين والعالم. ولا

  • قيادة عربية مشتركة.. لماذا الآن؟

    كنا نعرف من البداية أن محاولات الوقيعة لن تتوقف بين مصر وبين دول الخليج وقادة السعودية والإمارات، الضربة التي تلقتها مخططات

  • دور اليمنيين في إنقاذ بلادهم

    ليس بوسع أحد فهم حقيقة ما يحدث في اليمن، وإلى أين يسير هذا البلد العربي الشقيق بعد تصاعد الأحداث، التي تمضي به في اتجاه المجهول

  • ويل للمهزوم!

    قالها يوليوس قيصر في الزمان الغابر ولا زالت أصداؤها ترن حتى الآن: «ويل للمهزوم»، وقالتها العرب بمفهوم آخر: «عندما

اختيارات المحرر

  • دبي السعادة.. تأصيل الفرح

    كرنفال دبي للسعادة، هو أحد الفعاليات المولودة من رحم الفرح بفوز دولة الإمارات بلقب أسعد شعوب العالم

  • فقط في دبي.. ملعقة بوظة بـ3000 درهم

    في مدينة اشتهرت باحتضانها لأكبر ناطحة سحاب في العالم، وأكبر مركز تسوق في العالم، وحتى أغلى كب كيك في العالم، لن تتفاجأ بسماع بأن أحد مقاهيها يبيع ملعقة بوظة بمبلغ 2999 درهم ما يعادل 816 دولار أميركي.

  • «تلودي» ظاهرة مزعجة أم رسالة لطريق الثراء

    مروان تلودي شخصية أو بالأحرى ظاهرة انتشرت مؤخرا على شبكة الانترنت بشكل ملفت، وحققت شهرة إيجابية وسلبية معا بين المستخدمين، إذ يصفه البعض بالمزعج، والمحتال والكاذب وغيرها من المواصفات التي دخلت حيز السخرية، فيما يمدح البعض الدروس التي يمنحها في فيديوهات قصيرة حول أسهل الطرق للربح عبر الانترنت.

  • منتجع «فيتافيلي» ايقونة جميرا في فردوس المالديف

    بعيداً عن جو المدن الصاخب ودورة الحياة السريعة، بعيدا عن ضغوطات العمل وضجة الطرق.. هناك في جزر المالديف، حياة من نوع

  • مهرجان الحصن يختتم اليوم والزوار يطلبون التمديد

     طالب زوار مهرجان قصر الحصن الذي يختتم فعالياته اليوم بضرورة تمديد مدته، ولو في دوراته المقبلة من 10 أيام إلى أسبوعين

تابعنا علي "فيس بوك"