الأوكرانيون بين الاحتجاجات والثورة

امتلأت شوارع أوكرانيا، أخيراً، بعشرات الألوف من المحتجين الذين مضوا يقطعون سبل الوصول إلى المكاتب الحكومية ويهددون بإشعال "ثورة"، كما تفيد وسائل الإعلام (وبشكل استباقي إن لم يكن عن طريق الخطأ). وكل هذا بسبب قرار القيادة الأوكرانية الموالية لروسيا بالتخلي عن اتفاق للتجارة الحرة مع أوروبا كان من شأنه أن يمثل تحولاً بعيداً عن دائرة النفوذ الروسي.

إلا أن ما يحصل هناك ليس ثورة، على الأقل حتى الآن، ويبدو أن الناس في كل أنحاء العالم قد نسوا ماذا تعنيه تلك الكلمة فعلاً. وعلى غرار الكثير من الأمور الأخرى هذه الأيام، يبدو أن المعنى الحقيقي للكلمة قد جرى تخفيفه للغاية إلى درجة إفراغه من مضمونه تقريباً.

فإذا كنتم ممن يدعون الثورية، فرجاء أن تدرسوا المثال المطروح لها، وهو تشي غيفارا. وأنا شخصياً لا يهمني تشي غيفارا أو أيديولوجيته كثيراً، لكنه لم يكن يقيم في الدور الأرضي من منزله يصنع الملصقات، ويتأمل في طريقة تمكنه من تسليم البيتزا للزبائن، في الوقت الذي يخيم لأيام عدة مع رفاقه أمام وول ستريت.

والمتظاهرون هذه الأيام، أينما وجدوا في العالم، يعتقدون أن بإمكانهم إحراز انتصارات على غرار تشي غيفارا أو فرض حكومات مدعومة من قوى عظمى، من خلال بذل المجهود نفسه الذي يستغرقه الضغط على زر "لايك" على موقع الصفحة الإلكترونية "يورومايدن"، كما فعل أكثر من 126 ألف شخص حتى الآن، كاعتراف منهم بأن المعلومات وصلت من ساحة "مايدن نيزالزنوستي" المركزية في كييف. وهذا لن يحقق نصراً، بل حتى تصويتاً على حجب الثقة بالحكومة، كما نرى في أوكرانيا.

والحكومات، لاسيما تلك التي تحظى بدعم من القوى العظمى، لا يمكن الإطاحة بها إلا إذا كان لدى المعارضة أمران يعملان لصالحها، وهما: دعم من الجيش (أو على الأقل فصيل كبير منه)، ثم ما يسمى "نافذة أوفرتون" موسعة، أي ما هو متاح من أفكار ونتائج مقبولة سياسياً من قبل الرأي العام.

ويبدو أن المحتجين في أوكرانيا يتطلعون إلى ما يشبه لحظة التفكيك السلمي لجدار برلين، من دون سقوط الإمبراطورية السوفييتية، هذا السقوط الذي أعطى زخماً لتلك الفرصة التاريخية. لكن الثورات الشعبية أو "الملونة" ضد الحكومات لا تنجح إلا إذا جرى دعمها من جانب القوى العظمى، وعادة لا تخلو من حدث انتخابي من شأنه أن يوفر فرصة كافية أو غطاءً مقبولاً ديمقراطياً لإسقاط الحكومة.

ومن المخططات التي تحظى بقبول واسع للثورات الملونة، هناك "ثورة البلدوزر" في يوغسلافيا التي أطاحت بالرئيس الصربي الأسبق سلوبودان ميلوسوفيتش في عام 2000. والتخطيط والاستراتيجية لتلك الثورة جرى ربطهما بدورة انتخابية، على نحو ما حدث لـ "الثورة البرتقالية" في أوكرانيا عام 2004. لكن الآن لا يوجد هناك انتخابات رئاسية مقررة في أوكرانيا حتى عام 2015، ولا يوجد أي زعيم حماسي في المعارضة (على الأقل زعيم لا يقبع في السجن حالياً) أو أي دعم واضح من الجيش الأوكراني لانقلاب عسكري.

أوكرانيا على مفترق طريق حاسم، في محاولة لتنويع اقتصادها من خلال إيجاد توازن أفضل بين روسيا والغرب. وقد وقعت أوكرانيا على اتفاق للنفط والغاز مع شركة "إني" الإيطالية وشركة "إي دي إف" الفرنسية قد تصل قيمتها إلى 4 مليارات دولار، وقبل ذلك كانت قد وافقت على صفقة للغاز الصخري بقيمة 10 مليارات دولار أميركي مع شركة شيفرون الأميركية. ومثل تلك الصفقات يمكن أن تساعد أوكرانيا في أن تصبح مورداً للطاقة بدلاً من أن تكون وسيطاً أو زبوناً لروسيا.

لكن روسيا حقاً لا تحبذ قيام بلدان أخرى بالبدء في علاقة مع العديد من الدول، بدلاً من بناء علاقة مع دولة واحدة، وهو ما يفسر السبب لماذا يعتقد المرء عند تصفح صفحة "الغاز الصخري" على موقع "غوغل" في وسائل الإعلام الروسية الناطقة بالإنجليزية، أن الأمر يتعلق بأسوأ شيء يحدث في العالم.

لكن الثورة تتعلق بما هو أكثر بكثير من مجرد التفرج على "كيفية إشعال الثورة"، حسب عنوان الفيلم الوثائقي المشهود له بخطورته للخبير في الثورات غير العنيفة، جين شارب على موقع "يوتيوب". وكما يقول المثل العسكري الذي يجري الاستشهاد به كثيراً: "الهواة يتحدثون بالتكتيكات، والمهنيون يتحدثون باللوجستيات". وربما لن يتمكن المحتجون في أوكرانيا من تلبية المتطلبات اللوجستية لإنجاز ثورة ناجحة، على الأقل ليس الآن.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon