علمك يا وطن

ماذا يعني أن تتناغم حركة الشعب مع مبادرة القيادة، وماذا يعني أن يلبي الشعب نداء القيادة في رفع العلم، وماذا يعني أن ينتظم الجميع متناسقاً في عزف أجمل لحن على دقات القلوب ليخرج بشكل عفوي وتلقائي غير أنه بحركة منتظمة ومتناغمة.

في يقيني أنه بادرتنا أسئلة كثيرة وإجابات أكثر حول قيمة أعلام الأوطان ودلالتها. علم الوطن هو رمز استقلاله وعزته، وتعبير عن سيادته، إن فيه ذلك السر الذي يجعل الدم يجري في العروق حين يرفرف خفاقاً، ويجعل العيون تكتحل بدموع الحنين حين تراه والجسد بعيداً عن أرض الوطن وهو المحبوب المفتدى بالمال والدم والروح، وهذا ليس بدعاً من القول أو الفعل.

ألم يوكل الرسول الكريم راية الجيوش في المعارك إلى القادة وكان حامل الراية محاطاً دائماً ومحمياً بالسرايا التي تحول دون وصول الأعداء إليه، وكان يوصي من يحمل الراية إذا مات من وكل بها، لأن سقوط الراية كان يعني هزيمة الجيش، وهو ما جعل جعفر بن أبي طالب يموت دون سقوط الراية في غزوة مؤتة، حين ضرب على يمنيه فحملها بيساره، فضربت يساره فحملها بعضديه حتى مات دونها، وأبدله الله بجناحين في الجنة يطير بهما حتى سمي جعفر الطيار جزاء لحفاظه على راية الجيش.

إن من يدرك ذلك يعرف قيمة علم الدولة ورمزيته، إنه العلم الذي رفعه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وإخوانه حكام الإمارات يوم الثاني من ديسمبر، معلناً ميلاد الإمارات العربية المتحدة دولة مستقلة ذات سيادة، وهو ذات العلم الذي حمل أمانة صونه خفاقاً صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، فزاد ارتفاعاً وشموخاً مع كل إنجاز على أرض الدولة مع قيادة لا ترى غير المركز الأول بديلاً.

كما أنه العلم الذي يحمل ألوان رسالة دولة الإمارات، والتي لخص معانيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في أبيات من الشعر حين قال:

أنت ثوب العز فيك إتجسما .. فأربعة الألوان يا رمز البلاد

فيك الأبيض للسلام وتسلما.. والحمر رمز البطولة والجلاد

لونك الأخضر ربوعك والحمى .. والمعادي من سوادك في حداد

فرسالة السلام على أرضه والقاصدين له يحملها اللون الأبيض، والأحمر رمز لبطولة أبنائه وجاهزيتهم الدائمة للذود عن حياضه ببذل الدماء، ثم يأتي اللون الأخضر ليعبر عن تحويل الصحراء إلى ربوع خضراء، ويكون السواد والحداد على من يعتدي على حدوده.

إن هذا المشهد المبهج في رفع علم الوطن كان استجابة لنداء الواجب، أياً كان ذلك الواجب ومهما كان حجم التضحية له، أستطيع أن أجزم أن الشعب قام ببيان عملي، كما يطلق العسكريون على التدريبات العسكرية، أثبت نجاحه ونجاعته، إنه شكل من أشكال التعبئة الوطنية التي تؤكد أن أبناء الوطن جميعهم جنود لكنهم ليسوا احتياطاً كما هو المصطلح العسكري، لكنهم جنود أساسيون مستعدون لتلبية نداء الوطن متى حان.

ثم إن توحيد ساعة بعينها يرتفع فيها العلم في الإمارات العربية لهو تأكيد أن الإمارات جميعها جسد واحد يسير كسرب الطير بحركة منتظمة لا يشذ عنها أحد، خلف قيادة تصل إلى الهدف بنجاح، لأن وقودها محبة هذا الوطن الذي تظلنا شجرته الضاربة بجذور قوية راسخة في عمق أرضه، ما جعلها عصية على أن ينال منها أي كاره أو حاسد أو مدفوع.

إن قيام أبناء الوطن جميعهم بتلبية نداء القيادة برفع العلم الوطني يكشف بجلاء حالة من التماهي والتناغم، ورابط لا انفكاك له بين قيادة أحبت شعبها فبادلها الشعب حباً بحب. قيادة ترى أن المواطن هو عز الوطن فاستقرت محبتها في الفؤاد، لتؤكد كل يوم أن الشعب والقيادة جسد واحد وروح واحدة، وهذه هي الشرعية الحقيقية التي لا يغفلها عاقل بعيداً عن كل العناوين والمسميات.

إن المعاني النبيلة التي تحملها النفوس قد تحتاج إلى إيقاظها وتجديدها بين حين وآخر، لندرك مدى الحب الذي تحمله نفوسنا للأرض التي نحيا على ظهرها. فإذا كان الإيمان ذاته يزيد وينقص كما قال الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، فكيف بباقي المشاعر مهما كان نبلها تحتاج بين الحين والآخر إلى من يحركها ويدب فيها الحياة ليدرك الفرد قيمة ما بداخله، والعبقرية تأتي من ابتكار المبادرات التي من شأنها أن توقظ فيها الكثير كاللمسات السحرية، وهنا تأتي قيمة القيادة الحقة لتأتي بمبادرات شديدة الفاعلية عميقة الأثر عظيمة الفائدة وغير مسبوقة.

كما أن مشاركة الوافدين على هذه الأرض الطيبة، مواطنيها، هذه اللحظات الخالدة ورفع العلم، لهي رسالة سلام من أرض السلام التي ما شعر فيها وافد يوماً بأنه غريب على أرضها، بل كانت دوماً بلادنا مقصداً ومزاراً لجنسيات الأرض جميعها، والتي يفوق وجودها على أرض الوطن المائتي جنسية، يتمتعون بكافة الحقوق التي عز أن يجدوها في غيرها وحتى في بلدانهم.

والشاهد، عندما سئل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، عن تعدد الجنسيات في الدولة، كان رده البليغ والحكيم: «إن الرزق رزق الله، والمال مال الله، والفضل فضل الله، والخلق خلق الله، والأرض أرض الله، ومن يعمل ويتوكل على الله يعطيه الله، ومن يعيش بيننا حياه الله». وعلى الدرب سار الخلف، فكانت محبتهم في قلوب الشعوب العربية وغيرها. لذا لم يفاجئني تسابق الوافدين وصدقهم في رفع علم الدولة بموضع القلب قبل اليدين، وهذا الرصيد من المحبة هو الذي يجعل أبناء شعوب الأرض يذودون عن الإمارات قبل الحكومات حين يمسها أحد ولو بكلمة، ويصبح منبوذاً من بني جلدته، ولا شك أن هذه الحالة تصون الدولة بقوة تعجز عنها أعظم الترسانات العسكرية في العالم، لأنها لا تنفد ولا تفسد ولا تنضب.

فطوبى لمن رفع العلم أول مرة، وطوبي لمن حافظ وعلا رايته خفاقة أبداً، وطوبى لمن أحب هذا الوطن.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon