دروس للعالم في سوريا

الصراع في سوريا أبعد ما يكون عن الحسم، ولكن مع التوصل إلى الاتفاق الأميركي الروسي في جنيف أخيراً حول الأسلحة الكيماوية السورية، فإن احتمالات المواجهة تبدو وقد تراجعت بشكل ملموس. وفيما العالم يتأمل ما حدث في الأيام الأخيرة، يبرز على الساحة الدولية سؤال محدد: ما الذي تعلمناه حقاً حتى الآن من الصراع في سوريا؟

يبدو للوهلة الأولى أن هناك مجموعة مهمة من الدروس، أبرزها ما يلي:

إننا نعيش في عالم متعدد الأقطاب لم يعد مطلوباً من أميركا فيه التصدي لكل المشكلات، وليس هناك خطأ في تمرير الكرة بين الحين والآخر. والأمر يبدو كما لو أنه لم يخطر على بال القادة الأميركيين قط، أن روسيا يمكنها طرح الحل لهذه الأزمة، وذلك رغم حقيقة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان يستخدم كل الفرص المتاحة لإبراز مدى نزعته القيادية.

وهو جهد بدا أنه يستهدف التوصل إلى قنوات اتصال بناءة.. وفي بعض الأحيان، فإن إعطاء الناس فرصة لإثبات قيمتهم يعود بناتج أكثر مما توقعت، وفي هذه الحالة ليس هناك الكثير مما يمكن خسارته بإعطاء الجانب الآخر فرصة التحرك العملي.

التصورات التقليدية التي تدور حول اليمين واليسار في عالم السياسة، تصبح بصورة متزايدة لا معنى لها. ولا يرجع ذلك إلى أنه لا يمكن لأحد التمسك بكامل الأيديولوجية.

ولكن محاولة ترشيح كل نقاش أو حل ممكن من خلال منظور أيديولوجي، يؤدي إلى عبء مضاف يمكن أن يكون مهماً بالنسبة لأية حلول براغماتية. وقد أكد الصراع السوري أننا نعيش في عالم ينقسم بصورة متزايدة، بين أولئك الذين يتطلعون إلى العثور على حلول عملية، وأولئك الذين يهتمون بصورة أكبر بخط أيديولوجي متصلب قوامه "نحن ضدهم".

ونتيجة لذلك، فإن بعض خصوم الرئيس الأميركي باراك أوباما، وجدوا أنفسهم فجأة يهتفون لبوتين باعتباره يمثل المعارضة الرئيسية لتحرك واشنطن العسكري.

ووجد بعض مؤيدي أوباما أنفسهم في الوضعية غير المحتملة، المتمثلة في تأييد التحرك العسكري. ووجد بعض حلفاء بوتين في روسيا فجأة أن دفاعهم عن بوتين، يمتد إلى دفاع عن الرئيس السوري بشار الأسد. ولا يعد أي من هذه المواقف ضرورياً، إذا لم يصر المرء على السير بصورة عمياء في منزلق إيديولوجي لتجنب أي انعطافات محتملة.

المرحلة التالية من هذا الصراع يمكن، إلى حد كبير، أن تكون وقوف روسيا والغرب معاً ضد القاعدة والعناصر المتطرفة المتحالفة معها. فروسيا والغرب لهما بعض العداء المتبقي من مرحلة الحرب الباردة، ولكنهما متحدان في معارضتهما للعناصر المتشددة، وسوريا في الوقت الحالي هي وكر لهذه العناصر التي يجري دعمها بصورة متباينة من جانب روسيا أو الغرب.

وفي يوليو الماضي أوردت وكالة ريا نوفوستي الروسية الرسمية، نبأً جاء فيه أن أحد قادة المعارضة السورية قد صرح بأن السفن الروسية تنقل مقاتلين من حزب الله من بيروت إلى سوريا، وقد استخدم الغرب وبعض حلفائه القاعدة كجيش بالوكالة.

تكلفة الحرب تفضي إلى بعض التحالفات الغريبة بين الدول، وقد كان من الطبيعي بعد أن قررت أميركا عدم القيام بتحرك عسكري، أن فرنسا قد تقوم بمثل هذا التحرك منفردة إذا رأت ذلك مناسباً، بدعم مالي من جامعة الدول العربية.

وكما قال جون كيري وزير الخارجية الأميركية خلال جلسات الاستمتاع التي عقدها الكونغرس الأميركي: "فيما يتعلق بعرض الدول العربية تحمل التكاليف والمساعدة في الضربة العسكرية الموجهة إلى سوريا، فإن الإجابة بعمق هي: نعم، فهذا العرض مطروح على الطاولة".

وأخيراً، من الملاحظ مدى السرعة التي يمكن بها لمشكلة بدت نائية وبعيدة، أن تهبط فجأة لتطرق أبواب الأميركي العادي، ولتشكل أهمية كبيرة بالنسبة له إلى حد أن الناس يهتمون بما فيه الكفاية للاتصال بشأنها مع ممثليهم المنتخبين. ففي هذا العصر القائم على الاتصال السريع، يمكن لأحداث تقع على الجانب الآخر من الكرة الأرضية، أن تكون مهمة تماماً كالأحداث التي تقع في الشارع الذي تقيم فيه.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon