فرنسا والصداقة المفاجئة لواشنطن

يبدو الأمر كما لو كنا نعيش في نوع من الكون البديل، حيث تبخر نموذج تقليدي يدور حول الصراع السوري. فقد أصبح مصير العالم فجأة، وبصورة حصرية تقريباً، في أيدي فرنسا ورئيسها الاشتراكي البراغماتي فرانسوا هولاند. وأنا باعتباري كاتبة يمينية مقيمة في فرنسا، أحس على نحو غريب بالارتياح لهذا الأمر، ففرنسا هي ذلك النوع من الصديق الذي لا يقول لك دوماً ما ترغب في سماعه، ولكنه يكون قد أمعن التفكير فيه.

وليست هناك أمة في وضع أفضل من فرنسا، للتخفيف من حدة هذه الفوضى العالمية المحتملة. حسناً، بخلاف روسيا، ولكن في ما يبدو فإنه ما من أحد في الغرب يمكنه الاكتراث بطلب الكثير من الدروس الآن، وهم لا يقدمون هذا الكثير تحديداً، لأنهم لا يزالون منخرطين بشكل استحواذي في حرب باردة خطابية مع الغرب، حتى بينما فناؤهم الخلفي يتعرض للاكتساح.

لن تتدخل أميركا بشكل منفرد في سوريا، ربما لم يرد فريق الرئيس الأميركي باراك أوباما قط أن يمضي إلى هناك في المقام الأول، ولكن استبد الجنون بأحدهم وقتل الكثيرين من الناس باستخدام الأسلحة الكيماوية. وكان أوباما قد قال بالفعل شيئاً من قبيل: "إذا استخدم أحدهم السلاح الكيماوي فسوف أقصفه بصاروخ توماهوك". وكما يعرف الآباء، فإنك في هذه الحالة إذا لم تستخدم صاروخ التوماهوك عندما تتاح لك الفرصة، فإنك ستجد نفسك تنزلق نحو أسلحة أشد خطورة.

وإذا سمحت غدارة أوباما لنفسها بأن يتم على نحو ما إقناعها بالقيام بشيء خطير، ولأننا في نهاية المطاف نتحدث عن السياسة فإن مثل هذه الإمكانية لا يمكن استبعادها، فهي ستحتاج إلى أن يقوم أحدهم بالمضي بالسلاح إلى مكان ما. وقد أعلنت فرنسا وأميركا بصورة مستقلة، أنه لكي تكون هناك خارطة طريق سورية، فإنهما سوف تحتاجان إلى صديق في مقعد الراكب يطلق صرخات مدوية.

رفض النواب البريطانيون السماح للعسكريين بممارسة لعبة الحرب، ولكن الرئيس الفرنسي هولاند يبدو أنه لا يعلق الآمال على أن النواب في باريس سيسمحون له بذلك، خاصة وأنه قد تبين أنه بارع على نحو مدهش كجنرال في زمن الحرب، منذ بدء فترته الرئاسية قبل عام مضى. وأياً كانت قرارات واشنطن، فإن فرنسا يمكنها النجاح في الدفاع عن عدم ترددها بشأن التدخل في سوريا.

يمكن للكلمة الأخيرة في نهاية المطاف أن تكون لهولاند، لأنه ما من نقاش برلماني سيكبل سلطاته في ما يتعلق بالحرب، فالقانون الفرنسي لا يتطلب أي تفويض برلماني أولي بشن الحرب، وإنما يقتضي مثل هذا التفويض لكي تستمر الحرب بعد أربعة أشهر.

وفي أفضل الأحوال، فإن مثل هذا المد تم الاقتراع عليه في إبريل الماضي، من أجل العملية التي قامت بها فرنسا في مالي، والتي كان هولاند قد أطلقها في يناير الماضي.

على أي حال، فأنت تعلم كيف أن الناس يشكون على الدوام من بطء وتأمل الأفلام الفرنسية، أليس كذلك؟ تلك هي الطريقة التي تناقش بها فرنسا موضوعات أقل أهمية من الحرب، وهولاند يعرف دون شك أنه يتعين عليه التحكم في أي إصبع مرتعش أمام الزناد، وأن يجعل نفسه في وضع مريح، وأن ينتظر قليلاً لكي تكون اللعبة التي يدخلها عادلة.

ينبغي أن يكون أمراً مطمئناً أن الرؤساء الفرنسيين المنتمين إلى الحزبين الرئيسيين، قد قاما بقيادة عمليات عسكرية مهمة أخيراً، ولم يفشلوا في ما قاموا به.

وفي السنوات القليلة الماضية وحدها، قام الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي والرئيس الحالي فرانسوا هولاند، بالتدخل على نحو جلي في ليبيا بالنسبة للأول وفي سوريا بالنسبة للثاني، وكان كل من هذين التحركين يحظى بدعم كبير من الحزبين عند انطلاقهما

. ويبدو أن الرأي العام الفرنسي شكل مقياساً جيداً لاستعداد كل من هذين الرئيسين للتدخل، وتحقيق نجاح عسكري فرنسي فعلي. وهكذا فإن الحقيقة القائلة إن 36% فقط من الفرنسيين يؤيدون التدخل الفرنسي في سوريا، ينبغي أن تكون مطمئنة إلى حد ما لغير المتحمسين للتدخل.

ومن المريح أيضاً أن الفرنسيين يمكنهم القيام بعمليات عسكرية لا يلاحظها أحد إلا بالكاد، وعمليات القصف تحدث من ناحية أخرى بشكل أقل حرصاً بكثير مما هو معتزم الآن. وقد ذكرت صحيفة لوموند الفرنسية في تقرير لها، أنه في عام 2009 قام البرلمان الفرنسي بمد أمد عمليات عسكرية فرنسية في تشاد، وساحل العاج، ولبنان، وكوسوفو، وجمهورية إفريقيا الوسطى.

وأخيراً، فإن هولاند نفسه قد برهن إلى حد كبير، على أنه سياسي براغماتي، وخاصة في ما يتعلق بالشؤون الخارجية. وفي ضوء قوة فرنسا الدبلوماسية وتأثيرها داخل أوروبا - من حيث كونها شريكاً تجارياً بارزاً لروسيا - فإن هولاند ينبغي أن يكون قادراً على إقناع روسيا بأن تركز على كبح جماح فريق الرئيس السوري بشار الأسد.

وليس على التركيز الاستحواذي على إحراز نقاط تتعلق بالعلاقات العامة ضد أميركا. ورغم كل الحديث عن الحرب، فإن هذا يظل أفضل أمل للصلات الودية الدولية.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon