طيلة مسيرة حياتنا تمر علينا أحداث وخطوب شتى، منها ما يمر مر السحاب، ومنها ما يتوقف عنده الفرد زمن حدوثه ثم تنساه الذاكرة، ومنها ما يستعصي على النسيان حتى ولو كان في بداية العمر الغض ويصاحبنا كظلنا، وقد يكون لها أثر كبير في مسلكنا وتعاملنا مع من حولنا، وتشكل رؤيتنا للحياة، وتظل تلك الأحداث شاهدة أمامنا حتى آخر لحظات لنا في هذه الدنيا.

كما أننا نقابل في تعاملاتنا في دنيا الناس ألوانا وأجناسا من كل حدب وصوب، منهم من لا تتذكر رسمه أو شكله حتى وهو أمامك، ومنهم من تحب صحبته ولكن تفرق الحياة بكبدها وعنائها بينكما وتتواصل معه أو تذكره في المناسبات من حين لآخر، ومنهم من يمثل علامة فارقة في حياتك حفرت في داخلك وتظل شخصيته مؤثرة في تكوينك الفكري وسلوكك الاجتماعي، ويظل أمامك نموذجا تقيس ما يعرض عليك من قضايا بما تركه فيك من أثر، وتحدثك نفسك لو أنه تعرض لهذا الموقف ماذا كان فعله، كما أنك تقيس عليه سلوك الناس، وقد يفسد عليك معرفة الآخرين لأنه النموذج الذي لم تجد له شبيها أو تظل تبحث عنه.

إذا كان ذلك يحدث مع خطوب الزمن ومع خلق الله من البشر، فإنه يحدث مع الأماكن والدروب التي خط فيها الإنسان ذكرياته بمداد عمره، وهذا هو سر حنين الفرد للمكان الذي أبصرت عيناه فيه النور مهما كانت هيئته؛ ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطباً مكة المكرمة: «والله إنك أحب بلاد الله إلى نفسي ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت»، ومن سنة الله في كونه أن فضل بعض البلاد على بعض وهو المكان المادي.

تملكتني تلك المشاعر عندما وصلتني دعوة كريمة للتكريم من جامعتي، التي تلقيت فيها العلم وتعلمت من أساتذتها القيم في وقت معا، وعينت فيها معيدا، ومن بين خريجيها ارتبطت برفيقة دربي وشريكة مشوار حياتي بحلوه ومره، وكأني بالجامعة تأبى إلا أن تكون حاضرة في كل اختياراتنا.

كما منحتني الفرصة لاستكمال دراستي، فأوفدتني إلى أمريكا للحصول على الماجستير، ثم بريطانيا للحصول على الدكتوراه، لأعود لها فرحا كما يفرح الظمآن بشربة ماء في يوم صائف.

 وحين حالت ظروفي الاجتماعية والأسرية بيني وبين البقاء في أحضان جامعتي، ودعتها برسالة كما يودع المحبوب محبوبته، وحين دعتني امتلكتني ذات الرهبة التي شعرت بها حين كانت قدماي تتحسسان الطريق بين دروبها، وتسارعت دقات قلبي وكأن حبيبا على موعد مع محبوبته! لمَ لا وقد قضيت فيها زهرة عمري ومكثت بين جدرانها أكثر مما مكثته في بيتي وبين أهلي، وفيها كان خلاني وأصحاب الزمن الجميل؟

جامعة الإمارات أول وأثمن الحبات في عقد جامعات وطننا الغالي، حملت لواء التعليم العالي في الدولة، فكان لها فضل السبق الذي لا يدانيه فضل في تغيير وجه الحياة في الإمارات، والتي وضع غرسها راحل كريم، أدرك أن مستقبل هذا الوطن له طريق أساس وهو التعليم، المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، لترفد الإمارات بأجيال متتالية يطلعون الآن بمسؤوليتهم الوطنية، منهم الأساتذة والسفراء والوزراء ورؤساء مجالس الإدارات والخبراء.

ولأن قيادة محبة للعلم دافعة لأبنائه، تقدر قيمته في زمن لم يعد للخاملين والكسالى مكان وباتت الثورة الحقيقية التي يعيشها العالم ثورة المعلومات، وتقدر قيمة الإنسان فيه بما يحمله عقله من فكر، كانت الرعاية الكريمة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، والحضور الدائم لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، الذي أكرمنا بلقائه باعتبارنا خريجي الدفعة الأولى، وكرم خريجي الدفعة 32، وأعادت لنا الصورة الجماعية التي التقطت لنا معه، ذكريات أيام خلت وكأننا بها نجدد العهد والقسم على أن نظل أوفياء لهذا الوطن المعطاء، وكأنه بها يؤكد ثقته في أبناء الوطن وقدرتهم على أن يحملوا راية المسؤولية، في كافة المؤسسات الحكومية وغير الحكومية.

وهي رسالة أحسب الجامعة بقيادة معالي الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أرادت أن تكرسها بين أبنائها الخريجين من ضرورة تواصل الأجيال وإرساء قيمة الوفاء، وأن الاهتمام بالشباب لا ينفصل عن تكريم من سبقوهم في طريق تحصيل العلم، وأن جامعتهم لم تنسهم، وهو العنوان الجامع لمجتمع الإمارات الذي يلتف أبناؤه حول بعضهم وجميعهم يلتفون حول قيادتهم.

ومن يتطلع إلى حال جامعة الإمارات الآن وما وصلت إليه، يجده يتطابق مع حال الإمارات كدولة تسطر كل يوم إنجازات جديدة؛ فلقد كنت من أبناء الدفعة الأولى الذين ارتبط عمرهم بعمر هذا الصرح الغالي، وعاصرت بدايته وانطلاقته منذ ثلاثين عاما، ولكن من يراه الآن يدرك أن الفرق كبير والتطور عظيم، فقد ارتفع البناء وعظم، وارتفعت معه قدرات أبناء الإمارات الخريجين، بمهارات نوعية تنافس وبقوة في سوق العمل.

كما أن مسيرة الجامعة تقف شاهدة تحكي قصة الإمارات ذاتها، لتؤكد المعادلة بأن الأساس إذا ما وضع على حب لهذا الوطن ارتقى وعلا شأنه، ولأن حب الوطن عنوان الجامعة، كان حضور معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وما له من مآثر ومجهودات في الجامعة ستظل باقية، فضلا عن محبة حفرت في قلوب أبناء الجامعة طلابا وأساتذة.

ولأن المجال مجال تكريم لطلاب العلم في حاضرهم ومستقبلهم، وباعتباره أحد أبناء الدفعة الأولى للجامعة، كان حضور سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، نائب حاكم دبي، وزير المالية، الذي وضع نفسه موضع الطالب، لأنه المحب لجامعته ويعرف كيف يكون تواضع طالب العلم في محرابه.

إن الاحتفال بخريجي الدفعة 32 من الجامعة وتكريم الدفعة الأولى، يأتي في سياق طبيعي لرؤية القيادة السياسية للدولة، من الاحتفاء بأبناء الإمارات مهما توالت أجيالهم، كما أنه تعبير عن حقيقة دور الجامعة بمعنى الإطار الواسع القادر على استيعاب الجميع، تتجاوز به تأدية مهام التدريس وتحصيل العلم، عبر التأكيد على قيم مجتمعية أخلاقية تحفظ للمجتمع توازنه، حينما تكون مؤسساتنا التعليمية بيئة للإبداع وبث قيم لا تموت.