إما أن نكون نحن الذين لم نفهم الإسلام على حقيقته، وإما أن يكونوا هم الذين لم يفهموا هذا الدين على حقيقته.

احتمالان لا ثالث لهما، هما التفسير الوحيد لما نعيشه ونشاهده من أحداث، أبطالها مسلمون، وضحاياها الحقيقيون ليس أولئك "الكفار" الذين يعتدون عليهم، ويزهقون أرواحهم باسم الإسلام، وبحجة الدفاع عن الإسلام، ومن أجل رفع راية الإسلام، كما يدعون ويحاولون أن يبرروا أفعالهم الدموية تلك، وإنما نحن المسلمين الذين أصبحت تهمة الإرهاب ملتصقة بنا، أينما ذهبنا، وحيثما حللنا، وفي أي مكان أقمنا.

من مقتل جندي بريطاني في جنوب شرق لندن، على يد مسلمين بريطانيين من أصول نيجيرية، تحولا من المسيحية إلى الإسلام، وأصبحا من أنصار النزعة الراديكالية.. إلى طعن شرطي فرنسي في رقبته، أثناء قيامه بدورية عادية في منطقة تسوق مزدحمة تحت الأرض في باريس، من قبل فرنسي متحول من المسيحية إلى الإسلام، بدافع من معتقداته الدينية.. إلى الفيديو المنتشر على اليوتيوب والمواقع الالكترونية لأحد مقاتلي الثورة السورية، وهو يشق صدر جثة جندي من جنود النظام السوري ويأكل قلبه، وسط تكبير المحيطين به.

مشاهد لا يمكن فصل بعضها عن الآخر، ولا إخراجها من سياق ما يحدث في أماكن كثيرة من العالم، أبطالها يدّعون أنهم يقومون بها لنصرة الإسلام، ودفعاً للظلم الذي يتعرض له المسلمون في بلاد الإسلام، وضحاياها ليسوا هم المسؤولون المباشرون عما يتحدث عنه من يقومون بهذه الاعتداءات ويسفكون الدماء باسم الإسلام، والإسلام بريء مما يفعلون.

في حادثة "وولويتش" جنوب شرق لندن، ظهر أحد المهاجمين بعد الحادث في لقطة مصورة بالفيديو، يحمل الساطور الملطخ بدم الجندي الذي أجهز عليه وسط الشارع، وهو يردد: "نقسم بالله العظيم أننا لن نتوقف عن محاربتكم.

السبب الوحيد الذي دفعنا لفعل هذا، هو أن المسلمين يموتون كل يوم. مقتل هذا الجندي البريطاني هو من باب العين بالعين والسن بالسن".

ولم يفت القاتل أن يعتذر للنساء اللواتي تصادف وجودهن في المكان الذي جرى فيه الحادث، وشاهدن قطع رأس الضحية، فقال موجهاً حديثه إليهن: "أعتذر للنساء لأنهن اضطررن لمشاهدة هذا، ولكن في أرضنا تضطر نساؤنا لمشاهدة مثل هذا".

وفي حادثة باريس شوهد المتهم، الذي اعترف بتنفيذ الهجوم، في شريط فيديو وهو يشتري سكينين قبل ساعة من الحادث، كما ظهر في الشريط وهو يردد دعاءً إسلامياً، قبل ثماني دقائق من قيامه بطعن الجندي الفرنسي عدة مرات في رقبته، ثم وهو يخلع الجلباب الذي كان يرتديه، ويجري بملابس أوروبية.

وكانت فرنسا مسرحاً في شهر مارس من العام الماضي لاعتداءات نفذها محمد مراح، الذي وُصِف بأنه إسلامي متشدد، في مدينة تولوز، وقتل فيها جنديين فرنسيين وأطفالاً يهوداً، قبل أن تحاصره الشرطة وتقتله.

وفي حادثة شق صدر جندي الجيش النظامي السوري، قال المعارض الذي رآه العالم يغرس أسنانه في قلب ورئتي الجندي، خلال مقابلة أجرتها معه مجلة "تايم" الأميركية، إن ما فعله كان رد فعل على مقطع فيديو رآه على هاتف الجندي القتيل، حيث قام بتصوير امرأة سورية واثنتين من بناتها يرقصن عاريات أمام الكاميرا.

وأضاف: "لدي فيديو آخر سأرسله إلى جنود بشار الأسد، وسترون كيف أقوم بتقطيع أحد عناصر الميليشيات المسلحة الموالية للنظام، إلى قطع صغيرة وكبيرة باستخدام السيف"، مشيراً إلى أن جنود النظام يستخدمون أيضاً مقاطع الفيديو في محاولة لترهيب الثوار.

عنف يواجه بالعنف، ودعوات يصدرها مسلمون يعيشون في الغرب، يحرضون فيها على استخدام العنف ضد المجتمعات الغربية التي تحتضنهم وتحميهم من سلطات بلدانهم ويعيشون على معوناتها.

لعل أكثرها غرابة دعوة الناشط والخطيب الإسلامي "أنجم تشودري" لأنصاره إلى الجهاد على حساب دافعي الضرائب البريطانيين.. فقد اقترح "تشودري"، الذي يعيش في منزل قيمته 320 ألف جنيه إسترليني في منطقة "ليتونستون" شرقي لندن، ويتلقى من الحكومة البريطانية مساعدات تبلغ 25 ألف جنيه إسترليني سنوياً، اقترح أن يطالب أتباعه بمخصصات جهاد، وأن يرفضوا عبودية العمل المنتظم.

وحرض "تشودري" في موعظة له، على قتل رئيس الوزراء البريطاني "ديفيد كاميرون" والرئيس الأميركي "باراك أوباما"، وحلل في خطبة ألقاها أمام نحو 30 ألفاً من أتباعه، أخذ مال الكفار، ودعا إلى رفض أفكار هدامة، مثل حرية التعبير والديمقراطية، بوصفها صناعة غربية! حوادث متفرقة، وأفكار غريبة، تعيدنا إلى التساؤل الذي طرحناه في بداية المقال، وهو إما أن نكون نحن الذين لم نفهم الإسلام على حقيقته، وإما أن يكونوا هم الذين لم يفهموه.

في رأينا أنه لم يحدث في عصر من العصور خلاف على حقيقة الإسلام مثلما هو حادث في عصرنا هذا، وحتى لو حدث شيء من هذا القبيل في عصر ما، فقد كان محصوراً في حدود الدولة الإسلامية، وفي إطار الصراع على السلطة، أو اختلاف المذاهب والأفكار والرؤى.. أما ما يحدث اليوم فهو صراع أديان، ساحته مفتوحة، ونتائجه كارثية، المنغمسون فيه أغلبهم لا يعرفون حقيقة الدين الذي يدافعون عنه، ويتحدثون باسمه، ويظهرون على شاشات التلفزيون وأيديهم ملطخة بالدماء، متوعدين بسفك المزيد منها لنصرته.