دخل شخص محلاً لشراء ببغاء، فسأل البائع عن الأصفر فأخبره بأن سعره ألفي دولار، وعندما استغرب من ذلك السعر العالي أخبره البائع أن باستطاعته الطباعة ببراعة، فعاد ليسأله عن الأخضر ليتفاجأ أن سعره ثلاثة آلاف والسبب أنه يستطيع الرد على المكالمات بشكل جيد، اندهش الرجل ثم سأل عن الببغاء الأحمر فأخبره أنّ سعره عشرة آلاف، وعندما استفسر عن ما يحسنه من أمور أجاب البائع: "لا أدري، لكن الاثنين يناديانه: السيد المدير".

السيد المدير هو أهم عنصر مفصلي في أيّ مؤسسة، هو أشبه ما يكون للتبسيط بقائد السيارة، إن كان جيداً فسيصل إلى مقاصده دون أن يؤذي نفسه أو من حوله، وإن كان كما يقال لدينا في الإمارات "دريول جوله"، كناية عن عدم كفاءته فإنه لن يترك شيئاً أمامه إلا وسيجتثه أو يفسده أو يُخرجه من طوره، والسعيد حقاً هو من مَنّ الله عليه بمدير كفؤ تنبض روحه إبداعاً وتطويراً ومنحاً لفرص التألق لمن يعملون معه حتى يُحلّقوا مجتمعين بمؤسستهم، وغير السعيد ذلك الذي ابتُلِيَ بمديرٍ لا يعرف من الإدارة إلا أن تحضر في السابعة والنصف والويل لك إن تأخرت خمس دقائق فحينها لن ينفعك أنّك كنت بالأمس تعمل حتى الثامنة مساءً!

عندما خرجت علينا قائمة Fortune's 500 لهذا العام لفت نظري شيئين مرتبطين بمحور حديثنا هنا، أولهما تناوب ثلاث شركات فقط منذ عام 1955 على المركز الأول هي جنرال موتورز 37 مرة وعملاق النفط إكسون 13 مرة وعملاق التجزئة وولمارت 9 مرات، ولم يكن ذلك ليتأتى لولا وجود نخبة من القياديين الموهوبين القادرين على استكشاف النزعات المستقبلية وتوجهات الأسواق والذين نجحوا في نقل ذلك الفكر الاستباقي المبتكر داخل مؤسساتهم.

وعندما شَذّت جنرال موتورز عن ذلك النهج سقطت سقوطاً مروعاً وأعلنت إفلاسها عام 2009 بسبب "ديناصورية" فكر رئيسها التنفيذي آنذاك ريك واجونر والذي لم يكن مجرد "دريول جوله" بل هو "الجوله" بأكملها!

الثاني هو تعرّض هيولت باكرد HP لأكبر خسارة ضمن القائمة بلغت 12.7 مليار دولار، فالشركة بعد مأساتها مع الفاشلة كارلي فيورينا والتي بسببها كادت الشركة تعلن إفلاسها أتت بالعبقري مارك هيرد والذي قام بواحدة من أروع قصص التحول ليُعيد الشركة إلى قمة عالم التقنية وبنمو ملفت للأرباح في غضون عامين فقط، مما يبدو أنّه أقضّ مضاجع بعض أعضاء مجلس الإدارة والذين لا يريدون أحداً أن "يلطش" أضواء الشهرة عنهم فقاموا بإجباره على الاستقالة بدعوى وجود علاقة عاطفية له مع مسؤولة بإحدى الشركات التي تتعامل معها HP.

ما أود تأكيده هنا أن المؤسسة التي تبالغ في تقييم موظفيها الصغار وتحاسبهم على كل صغيرة وكبيرة رغم تأثيرهم الطفيف على مسارها نظراً لصغر دور كل واحد منهم، لكنها تغض الطرف عن تقييم مديريها بدعوى أنّهم يحظون بقدرات أوصلتهم لهذا المكان قد تخفى على الآخرين رغم عِظَم تأثير قراراتهم على المؤسسة والمحيط الذي تعمل به.

فإنها لن تبتعد عن حال جنرال موتورز وهيولت باكارد وغيرها من المؤسسات التي تنزف دون أن تجد ضماداً ولا ترى إلا تعامياً عن الواقع السيئ وانشغالاً بأمور ثانوية أو بحثاً رخيصاً عن تلميع زائف يُكذّبه الواقع، وكم هو مضحكٌ لحد البكاء أن تُصبح أخبار الصحف هي دليل نجاح المؤسسات وليس مشاريعها الناجحة وأرقامها الكبيرة وأرباحها الملموسة وحصتها السوقية المتزايدة كما تفعل طيران الإمارات باقتدار وكذلك الحال لجهاز أبوظبي للاستثمار الرقم الصعب في عالم الصناديق السيادية.

أتمنى أن أرى فئة جديدة تُضاف لبرنامج دبي للأداء الحكومي المتميز ألا وهي فئة "القيادي المتميز"، فتأثير القائد أكبر بكثير من أي شخص آخر في المؤسسة، ووجود مثل هذه الجائزة سيستوجب تقييماً مفصلاً لأداء القيادات وقدرتها على تطوير المؤسسات التي تقودها وتحسين خدماتها وخلق ثقافة عمل تشجّع الابتكار والتجديد وتحدّي اللوائح البالية و"التابو".

والأهم من ذلك أن يُقدّم "بنفسه" خطة عمل طموحة لإحداث نقلة نوعية للمؤسسة التي يُدير دفتها ويناقش جدواها علناً، فما فائدة مسؤول لا يستطيع تذكر استراتيجية مؤسسته ولا خطة عملها إلا بطلب نسخة من وثائقها "الـمُعلّبة" والـمُعدّة سلفاً من خلال مكتب استشاري، فاستراتيجية لا تتنفسها ولا تعيشها ولا تعرف خباياها من المحال أن تُحقّق أهدافها أو تستطيع تطويرها، فحتى في الشركات الأميركية حيث نضج الفكر الاستراتيجي حتى احترق لا تزيد نسبة تحقق وعود الاستراتيجيات على 63% حسب دراسة نشرتها مجلة هارفارد بزنس ريفيو الشهيرة، فما بالكم بمؤسساتنا التي ما زال بعض الديناصورات متشبثين بأسنانهم على كراسي إدارتها!

عندما يطمئن المدير على كرسيه لغياب التقييم عن هذه المستويات تتهاوى المؤسسات تدريجياً، وتفتقد لعنصر مهم هم "حس الطوارئ" وضرورة التسارع في تحديث عملياتها وتطوير خدماتها قبل أن يسبقها البقية، وكم كان جاك ويلش صائباً عندما انتبه لهذه النقطة وأطلق جملته الشهيرة: "عندما يكون التغيير خارج المؤسسة أسرع من وتيرة التغيير داخلها فإنّ نهايتها قريبة".

فمؤسسة لا يستطيع مديرها خلقَ بيئة حاضنة للإبداع لن تلبث أن تغادرها الطيور الموهوبة بحثاً عن هواء أنقى وسماوات أوسع للابتكار والتطوير، ولا تتبقَ إلا أجيال الحرس القديم وهم بالمناسبة ليس شرطاً أن يكونوا كبار سِن، بل هم كل من يؤمن بأنّه "ما دامت العَرَبة تسير فلماذا نغيّر عجلاتها" رغم أنّ هذه الجملة قيلت في سياقٍ مختلف لا صلة له بهذا التوجه السلبي، هؤلاء هم من يُلمّع الببغاء الأحمر و"يُعيّشه الدور"!