الذين يتجردون من الخجل

هل هناك أي شيء يمكن للناس أن يقدموا عليه هذه لأيام لإثارة اشمئزازهم وتوتير أنفسهم؟ أم أن الحاجز الوحيد الذي يحول دون السلوك الاجتماعي السيئ قد انهار، فيما يبدو، ولم يعد يجتذب الاهتمام؟

إنني أطرح هذه الأسئلة لأنه يبدو أنني حيثما نظرت مؤخرا، تصادف عيني أعمالا يتجرد أصحابها من الحياء والخجل، إلى حد أصبح معه الخجل شيئا ينتمي إلى عالم الأخبار، ولنضرب أمثلة معدودة على ما نقصده في هذا السياق..

* يريد الكونغرس الأميركي منا أن نستشعر ألمه، فيما هو ينظر في إمكانية تخفيض سنتين من كل دولار من الإنفاق الحكومي المتزايد المقرر، في حين أن القيام بذلك يسمح للكونغرس بأن يتجنب كلية القيام بما ينبغي عليه إنجازه حقا، وهو تخفيض الـ98 سنتا الأخرى.

إذا كان لدى فتى بدين كعكة وأعطيته كعكة أخرى بكاملها، ثم أخذت 2% من الكعكة الثانية، فإن هذا الصبي لن يشكو، وفي حقيقة الأمر فإنه سيزداد بدانة، تماما كما ستفعل الإدارة الأميركية الحالية، وتشكو في الوقت نفسه من التضور جوعا.

* أطلت ماريسا ماير الرئيسة التنفيذية لشركة ياهو، على شاشات التلفزة جميعها لمطالبتها بأن يداوم موظفو عملاق التكنولوجيا في مكان العمل. إن الشباب الآن يعملون من على أسرّتهم، لأنهم يمكنهم أن يناموا وقد وضعوا أجهزة الآيفون الخاصة بهم تحت وسائدهم، وهم ليسوا مضطرين للعمل أكثر من حوالي نصف ساعة يوميا، حيث إن ذلك يعادل العمل أسبوعا كاملا في الأيام الخوالي.. أليس كذلك؟

إما أن تكون موظفا يتقاضى راتبا وتتحكم فيك الشركة التي يمكنها اتخاذ كل القرارات بشأنك، أو أن تكون متعاونا يمكنك العمل من أي مكان، ولكنك مجبر بحكم التعاقد على تقديم منتجات أو خدمات، مقابل حريتك في أن تكون في أي مكان يحب أن توجد فيه، طالما أنك تنجز الوظيفة المكلف بها. وأنت لا تحصل على كل المزايا والضمانات التي يحصل عليها الموظف، بينما تتصرف كمتعاون.

* قامت الحكومة الفيدرالية الكندية مؤخرا بشطب 540 مليون دولار من ديون الطلاب.. عظيم! لماذا تعمل في كل تلك الوظائف العديدة لتكفل لنفسك إتمام دراستك الجامعية؟ أو لماذا يتعين عليك تقييم جدوى استثمار ما في تعليمك الذي تختاره، بينما يمكنك أن تحمّل فواتيرك على كاهل الآخرين؟

إذا كان بمقدور شديدي الثراء دوما أن يجدوا سبلا لتجنب الضرائب من خلال الثغرات المختلفة، فخمن من الذي سيدفع بدلا منهم لتغطية ما أفلتوا به؟ من المحتمل أن يكون من يقوم بالدفع هو أبوك أو أمك اللذان يظنان أنك شخص مستقل ومسؤول، وما تقوم به في غمار عجزك عن السداد، هو مواصلة الاستفادة من المصروف الذي يدفعه لك أبوك.. والفارق الوحيد، هو أنه أصبح أضعافا مضاعفة ويتم غسيله عبر الحكومة.

* شقت إحدى عضوات مؤسسة بلانيت فيتنس في ماساشوستس، طريقها إلى الأخبار مؤخرا من خلال قيام الإدارة بإلغاء عضويتها، حيث تعرقت على هاتفها النقال، في انتهاك صريح لما تقضي به لوائح العضوية. وليس هناك شيء رائع مثل القيام بالتمارين الرياضية على آلة متقدمة في الجمنازيوم، بينما تحاول الاستمتاع باستراحة قصيرة من ضغوط اليوم، وفجأة تجد نفسك ضحية لصراخ إحداهن وهي تتحدث عن تفاصيل حياتها في الهاتف النقال.

وهناك شيء واحد يمكن للمرء أن يقوله عبر الهاتف النقال في جهاز من هذا النوع، وهو من قبيل: "هل وصل القلب الذي سينقل إلي لإجراء الجراحة، أنا في الطريق إليكم".

* اقترع البرلمان الروسي لتوه على تجريم التدخين في الأماكن العامة، بما في ذلك المباني السكنية والمطاعم والمقاهي بحلول 2014. وهذا القانون يجعل روسيا تنضم إلى باقي العالم المتحضر في هذا الشأن، ولكنه دفعني إلى التفكير حول عدم الاحترام السائد لحريات الآخرين.

فلن تكون هناك حاجة إلى مثل هذا الحظر إذا لم يكن الناس على هذا القدر الكبير من التجرد من الحياء، بحيث يعتقدون أن فرض عاداتهم السيئة المتعلقة بالتدخين على جميع من حولهم، هو أمر مقبول. لن يحاول أحد انتزاع أي خيار شخصي من شخص باستنشاق قدر كبير من الدخان، إذا اختار أن يفعل ذلك بوضع حقيبة كبيرة حول رأسه بحيث يستنشق كل ذرة من الدخان.

وهذه الأمثلة التي تدل على غياب الحياء من عالمنا، مستمدة من وقائع يوم واحد.

 

Happiness Meter Icon