تميزت دبي، ومنذ وظهورها بوجود مجتمع تجاري نشط ساهم كثيراً في تطورها وكان السبب وراء بلورة رؤية مختلفة للإمارة عن مثيلاتها من مدن وموانئ الخليج.

والمعروف بأن إمارة دبي، وعلى مدى تاريخها، لم تعرف أي تقلبات سياسية كالذي عرفته مدن الخليج الأخرى، بل عرفت استقراراً سياسياً ساهم كثيراً ازدهارها الاقتصادي كما ساعدها على تجاوز الكثير من المحن وتحمل أنواع كثيرة من المنافسات وعلى مختلف الصعد.

كما استفادت دبي من البيئة الطبيعة والتي جعلت من الخور ميناء طبيعياً جعل دبي ملاذاً آمناً للكثير من السفن واستقرت حوله جاليات عربية وأجنبية ساهمت في تطور تجارة دبي.

استقرار وازدهار دبي جذب لها انتباه الكثير من المراقبين لأنها قامت وتطورت في اقليم غير مستقر ووسط بيئة قاحلة وعلى الرغم من ذلك تلك العوامل لم تؤثر لا في استقرار دبي ولا في تطور تجارتها.

فالمعروف بأن التجارة مرتبطة بعامل الاستقرار الذي يوفر لها الجو والبيئة المناسبة للنمو وتحمل المنافسة من قبل الآخرين ويساعدها على بناء بنية خاصة بها. فالتجارة تحبذ الابتكار والإبداع كما تحبذ القرارات المتأنية بينما لا تحبذ القرارات المتهورة أو الفجائية والتي تعمل على إبعاد رأس المال وجعله يهرب إلى مكان آخر.

لهذا كانت دبي، خاصة في الثلاثينيات من القرن العشرين، ملتقي تجار الخليج بضفتيه الشرقية والغربية. وقد ساعدها موقعها المتميز في وسط الخليج العربي على أن تبقي وتحافظ على نشاطها وديمومة تجارتها حية ونابضة.

تميزت دبي بظهور مجتمع تجاري نشط ميزها عن باقي إمارات الخليج. فالمعروف بأن المجتمع التجاري يلعب درواً مهماً ليس فقط على الصعيد الاقتصادي بل على الصعيد السياسي والاجتماعي. هكذا كانت دبي : مجتمعاً نشطاً، برز للتجار فيه دور سياسي واجتماعي تعدى بمراحل فكر وتخطيط تلك المرحلة.

ويمكن أن يكون أهم ما ميز تجار دبي في تلك الفترة ليس فقط الطموح في الوصول إلى العالمية ولا في قدرتهم على الصمود متى ما سدت جميع المنافذ والسبل في وجههم واشتدت المنافسة ولا في قدرتهم على الإبداع والابتكار في بيئة عرفت بقلة مصادر الرزق وضآلتها بل في أدوارهم التي تعدت الدور الاقتصادي الاعتيادي إلى لعبهم أدوار سياسية واجتماعية وثقافية بارزة خلدت أسمائهم في التاريخ.

اسماء عديدة برزت ومنذ بداية القرن العشرين وحتى منتصفه لتجار ساهموا ليس فقط في الحراك الاقتصادي الذي ميز دبي ولكن في بروزها كمدينة تميزت بحراك سياسي واجتماعي وثقافي كبير.

بمعنى آخر كان لتجار دبي أدوار تعدت بمراحل أدوار التجار العادية. لقد كانوا الدينامو وراء كل تغير ايجابي حصل في دبي ودفعها لأن ترتقي درجات بين موانئ الخليج بل لتصبح الميناء الأكثر شهرة بين موانئ المنطقة كلها.

نظرة بسيطة ومقارنة طفيفة بين أدوار التجار في الماضي وأدوارهم حالياً تظهر لنا مدى التراجع الذي أصاب دور التجار في دبي .

فدور التجار انحسر في الوقت الراهن انحساراً كبيراً. قلة من التجار لديهم الحس الاجتماعي الذي يخرج عن نطاق تحقيق المصالح الاقتصادية الضيقة والربح والاستفادة القصوى من الامتيازات المتاحة التي يحصلون عليها.

أصبح هم الكثير منهم منصباً على تحقيق أعلي مستوى من الربحية دون النظر إلى أدوارهم الأخرى ومسؤولياتهم تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه، بل أنتقد التجار في الكثير من الأحيان بسبب مسؤوليتهم عن ظهور قضايا اجتماعية كالغلاء وآفات مجتمعية كالرشوة والمحسوبية.

تجار اليوم يسعون سعياً حثيثاً لنيل اكبر استفادة من الدولة في صورة امتيازات وإعفاءات دون النظر إلى رد الجميل للدولة التي ترعاهم.

التجار بدورهم يرجعون انحسار دورهم وتراجعه إلى الجهات الحكومية التي تكبلهم بالكثير من الرسوم وبالتالي تقلص هامش ربحهم. البعض الآخر يبرر هذا التراجع بأن الدولة تأخذ نصيبها في صورة ضرائب مخفية تفرض عليهم وترهقهم في الكثير من الأحيان.

ولكن تلك الرسوم والضرائب تجبي في كل الدول دون استثناء. كما أن هذه الرسوم ليست مبرراً للتهرب من الواجب الاجتماعي الذي يفرضه عليهم دورهم كرعاة ومسؤولين عن النشاط الاقتصادي.

تجار الأمس اعتمدت عليهم الدولة للنهوض والترقي وتجار اليوم معتمدين على الدولة ينتظرون الفرصة السانحة لأي امتياز يحقق لهم الربح، تجار الأمس قدموا خدمات جليلة للمجتمع دون انتظار لأي تكريم أو تقدير، وتجار اليوم يسعون نحو الشهرة، تجار الأمس برز دورهم كرعاة للثقافة والعلم والمسؤولية الاجتماعية وتجار اليوم، ما عدا قلة بسيطة، يحاولون التنصل من واجباتهم الاجتماعية تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه، تجار الأمس تفاعلوا وبكل حماس مع قضايا المجتمع فكانوا وراء العديد من المتغيرات الإيجابية، وتجار اليوم يجهل الكثير منهم ابسط قضايا المجتمع .

ولكن الفرق بين تجار الأمس واليوم يجب أن لا يكون عاملًا محبطاً بل يجب أن يدفعنا إلى حثهم لبذل المزيد من الجهد للتفاعل مع قضايا المجتمع. فمن دونهم لا يقوى الاقتصاد على الصمود ومن دونهم يفقد المجتمع عنصراً مهماً من عناصر حراكه المجتمعي . فالتجار جزء مهم من المجتمع خاصة مجتمع دبي. فدبي مدينة التجار والتجار هم دبي.