لا خلاف على أن العمل الديمقراطي هو سمة أساسية من سمات الحكم الرشيد فـي أيـة دولـة، حيث إن عملية إعطـاء المواطن فرصة المشاركة في اتخاذ القرار أو وضع وصياغة وتقييم السياسـة العامة هو جوهر العمل السياسي الناجح.
إلا أن المشكلة في فهمنا للديمقراطية في الوقت الراهن هو تمحور هذا الفهم حـول المفهـوم الغربي للديمقراطية القائم على إشراك المواطن في العملـية السياسية عبر التمثيل السياسي، الذي يعطي الحق للأغلبية بأن تفرض رأيها على الأقلية، فالمعادلة في مثل هذه الممارسة تقوم على فكرة الغالب والمغلوب، الغالب هم أصحاب الأغلبية والمغلوب هم أصحاب الأقلية.
ولعل هذا الفهم الضيق لمفهوم الديمقراطية هو الذي أدخلنا في العالم العربي في إشكاليات قوامها أن الأقلية رغم عددها النسبي الكبير تخسر مقابل نسبة الواحد في المئة الإضافية فقط التي تتمتع بها الأغلبية.
ورغم تطور الإنسان وتطور التكنولوجيا المصاحبة إلا أن الفهم الأعم للديمقراطية مازال يتمحور حول حكم الأغلبية في مواجهة الأقلية، وبالتالي تحقيق منفعة الأغلبية على حساب مصلحة الأقلية.
لقد أخذت الديمقراطية عقوداً من الزمن كي تتمكن من التمحور فـي الدول الأكـثر ديمقراطية في عالم اليوم، لذلك لا يمكن أن نتصور أن ما تحقق في تلك الدول خلال فترة طويلة من الممكن أن يتحقق في ظرف شهور معدودة لدينا في العالم العربي، الذي لم تعرف دوله الوطنية في تاريخها السياسي تطبيق الممارسة الديمقراطـية بمفهومها الغربي هذا. الأمر الذي يجعل من الضروري التفكير الجدي في بناء بيئة ديمقراطية مناسبة لطبيعة دولنا العربية.
ولعل أبرز نموذج ديمقراطي يمكن لنا الاحتذاء به هو نموذج الديمقراطية التنموية التي تجعل لب المشاركة السياسية تتمحور حول تحقيق هدف التنمية في الدولة.
فالدولة تلعب دور المنظم لعملية صياغة وتقييم السياسة العامة عن طريق إشراك المواطنين في تلك العملية. إلا أن هذه المشاركة هي عملية منضبطة في إطار إشراك أصحاب الشأن في السياسة المراد صياغتها أو اتخاذ قرار حولها وليس كل الناس.
فعلى سبيل المثال، إذا ما أرادت الدولة أن تصيغ أو تقيم سياسة عامة في المجال التربوي فإنها تعطي التربويين حق المشاركة في تلك العملية دون غيرهم وبالتالي الاستفادة من مرئياتهم في هذا المجال، وإذا ما أرادت صياغة أو تقييم سياسة في المجال الصحي فإنها تشرك أصحاب الشأن في المجال الصحي بكافة مشاربهم في هذه العملية استفادة من خبرتهم.
في مثل هذه العملية تكون عملية صياغة وتقييم السياسة تعتمد على إشراك أصحاب الاختصاص فيها من خلال إبداء الرأي والمشورة حول تلك المجالات كل في مجاله.
هذه هي الديمقراطية التنموية، حيث أن صياغة السياسة تأتي عن طريق الأخذ بمشورة ورأي أصحاب الخبرة والاختصاص وليس من خلال تغليب رأي الأغلبية التي في الغالب لا تتمتع بالخبرة والاختصاص، وإنما يأتي تصويتها وفقاً لأهواء خاصة ويندرج تحت غطاء تحقيق المصلحة الشخصية بعيداً عن تقديم المشورة السليمة النابعة من الخبرة العملية، إنها حكم الغوغاء كما قال عنها أفلاطون.
ومع التقدم التكنولوجي يمكن للديمقراطية التنموية أن تكون أكثر نجاحاً، حيث أنها قد تدخل في إطار ما يسمى بالديمقراطية الإلكترونية، والتي يتم من خلالها إشراك أكبر عدد من الخبراء والمتخصصين والمستفيدين في صياغة وتقييم السياسة العامة كل حسب اختصاصه ومجاله.
وتستطيع الحكومات طرح سياساتها للمراجعة والتقييم أمام المختصين والخبراء والمستفيدين عبر التواصل الإلكتروني لإبداء أرائهم وتصوراتهم حول تلك المواضيع والتي يمكن للحكومة الاستفادة منها في اتخاذ قرارها في مختلف المجالات، عندها تستطيع الدولة أن تحقق التنمية التي يمكن أن يقال أن أساسها الإنسان المشارك فيها.
ليس في هـذا الطـرح معارضة للديمقراطية، بل هذا جزء أساسي مـن عمـلنا كدارسين لعلم السياسة الذي يتطلب منا أن نصيغ مفاهـيم قادرة على تطوير العمل السياسي لما يخدم الإنسان ويحقق هدف الأمن والاستقرار والتنمية في ذات الأوان، والديمقراطية التنموية تصب في مفهوم الديمقراطية القائم على إشراك المواطن في عملية صياغة وتقييم السياسة العامة، ولعلنا في العالم العربي وبالأخص في دول الخليج العربي الساعية للمحافظة على ثقافتها السياسية بحاجة إلى مثل هذه الممارسة التي تخدم الصالح العام وتحقق الممارسة السليمة في مجال الحكم الرشيد.