جاءت الدعوة التي وجهها عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردي التركي، لوقف العمل العسكري لحزبه، وانسحاب قواته التي يبلغ عددها زهاء 1500 مقاتل إلى خارج الأراضي التركية (إلى إقليم كردستان العراق)، بمثابة تتويج لجهود بذلت من قبل طرفي الصراع في تركيا، للوصول إلى تسوية للقضية الكردية، التي أصبحت تهدد الأمن القومي التركي.

فبعد أن فشلت في الصمود على مدى ثلاثة عقود من الزمن، أكثر من هدنة بين هذا الحزب والحكومة التركية، لأسباب عديدة، أبرزها عدم توافر الأجواء محلياً وإقليمياً ودولياً لبناء إيجابي لما بعد الهدنة بينهما، جاءت هذه الهدنة لتعيد الأمل في التوصل إلى ما يرضي الطرفين.

هذه الدعوة سبقتها تمهيدات لإعداد مقاتلي الحزب نفسياً وذهنياً لتقبل هذا القرار الصعب غير المتوقع، فقد سبق لزعيم الحزب أوجلان أن أودع النائب صلاح الدين ديمرتاس، الذي زاره في سجنه ضمن وفد من حزب السلام والديمقراطية الكردي، رسالة تليت على وسائل الإعلام، قال فيها «أواصل تحضيراتي لتوجيه نداء في 21 مارس (الذي يوافق الاحتفالات برأس السنة الكردية الجديدة)، هذا الإعلان سيكون تاريخياً». وقد سبق الإعلان هذا إجراء ترتيبات لوضعه موضع التنفيذ، عبر تحضيرات وتنسيقات على مستويات عالية بين حزب العمال الكردي وأنقرة وأربيل.

وهكذا كان، فقد وجه الزعيم الكردي رسالته التاريخية إلى أعضاء وجماهير حزبه، معلناً نهاية فصل «الكفاح المسلح»، واستبدال الكلاشنكوف بغصن الزيتون، حيث قام أحد النواب الكرد بقراءتها باللغة الكردية، على آلاف الكرد المحتشدين في مدينة ديار بكر جنوب شرقي تركيا، في 11 مارس المنصرم، احتفالاً بعيد نوروز وبداية السنة الكردية الجديدة.

وقد ورد في الرسالة: «إن مسار التسوية الذي بدأ نهاية العام الماضي، في الطريق الصحيح»، وأضاف «إن الهدف من هذا المسار، يكمن في إرساء الديمقراطية في كل تركيا». ولعل الخطوةالقادمة، هي إطلاق سراح المعتقلين على لائحة هذه القضية، وعلى رأسهم أوجلان نفسه.

ما طرأ من تغير في الأجواء التي ساعدت على إنضاج هذا الاتفاق، يمكن تلخيصه بمحورين، أولهما تركي، وثانيهما كردي. فعلى مستوى المحور الأول، هناك ثلاثة عوامل جوهرية وراء الموقف الرسمي التركي، أولها أن حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان، يتميز ببراغماتية لافتة للنظر، فقد أدرك في وقت مبكر طبيعة التغير في النظام العالمي.

وما قد يترتب على ذلك من تداعيات لا بد من مواجهتها أو التحسب لوقوعها، مع ضرورة الإصلاحات الداخلية التي تتماشى مع الأعراف التي بدأت تسود في العالم، خاصة ما يتعلق منها بحقوق الأقليات، وهو أحد أبرز مطالب الاتحاد الأوروبي لتأهيل تركيا لعضويته.

فقد كان أردوغان أول زعيم تركي تحدث علناً عن محادثات بشأن تسوية شاملة للقضية الكردية، وباشر البدء في إصلاحات تتعلق بالحقوق الاجتماعية والثقافية والفنية للأقليات، حيث سمحت حكومته بإطلاق محطات إذاعية وقنوات فضائية رسمية وخاصة ناطقة بغير التركية، وهي أمور بقيت محظورة في تركيا منذ قيامها كدولة حديثة عام 1925.

وثانيها، إدراكه لأهمية مقاربة القضية الكردية بروحية إيجابية، في ضوء التغيرات الجارية في المنطقة، حيث يتمتع كرد العراق بما يقارب الاستقلال في إقليمهم، واحتمال حصول كرد سوريا على وضع مشابه إذا سقط النظام السوري، وما لذلك من أهمية في تعزيز الاقتصاد التركي، عبر بناء علاقات اقتصادية متميزة مع أكراد سوريا، كما هو الحال مع إقليم كردستان العراق.

ويضاف إلى ذلك عامل ثالث، يتعلق بالهاجس الأمني لتركيا، إذ يبدو أن حكومة أردوغان لا تستبعد أن تنتقل إلى أراضيها نيران الصراعات الجارية في المنطقة على أسس دينية أو عرقية أو مذهبية، خاصة أن القضية الكردية في تركيا، إضافة إلى ما تحمله من خصائص عرقية، لا تخلو في بعض جوانبها من خصائص مذهبية.

أما على مستوى المحور الثاني، الذي يتعلق بحزب العمال الكردي التركي، فقد توصلت قياداته على مدى ثلاثة عقود من العمل المسلح، إلى قناعة، وجدت أن لا مفر من استثمارها في رسم مستقبل شعبها.

وهي أن الكفاح المسلح في إطار النظام العالمي الذي انبثق مع نهاية الحرب الباردة، لم يعد وسيلة يتقبلها المجتمع الدولي لتحقيق المطالب، ولا بد من الأخذ بالخيار السياسي السلمي. ما يمتلكه حزب أوجلان من أوراق، لا يساعد على توقع حصول الكرد في تركيا على مكاسب تضاهي ما حصل عليه كرد العراق.

وذلك لأسباب عديدة، لا مجال للخوض في تفاصيلها هنا، ولعل أبرزها، هو أن هذا الحزب لم يستطع أن يعرض قضيته على العالم بالطريقة التي تكسبه التعاطف، بسبب لجوئه للعنف، حيث سبق أن صنف كمنظمة إرهابية. كما أن من الخطأ تجاهل حقيقة أن هناك أطرافاً أخرى من الكرد تمتلك عدداً من المقاعد في البرلمان التركي، سيكون لها ما تقوله في مستقبل القضية الكردية في تركيا.

الاتفاق على قضايا سياسية لم يبت بشأنه بعد، فذلك ليس من صلاحيات حكومة أردوغان وحدها، رغم أنها تمتلك القدرة على تفعيله. فالمعروف أن المطالب التقليدية لكرد تركيا، هي الحصول على حقوق دستورية مساوية تماماً للحقوق التي يتمتع بها الترك، وهذا يتطلب إجراء تعديل في الدستور، وتضمينه نصاً صريحاً بذلك، وهو من اختصاص البرلمان التركي.