أن يعمل في دولة صغيرة جغرافياً أكثر من مئتي جنسية من شتى دول العالم، بتناغم تام وتعاضد وتوافق، وإقبال متواصل عبر توافد الجديد من العمالة المستمرة، وحرية الحركة والتنقل بين المشاريع أو المجالات، دون قيود أو حدود قاسية، فهو بحق أكثر من تجربة رائدة عالمياً.

ذلك أن السيطرة الحكومية على فوائد العمالة، لا سيما الوافدة بتنوع ثقافتها ومهاراتها، أمر عسير جداً لن يكتب له النجاح إلا بجهود جبارة، تحت مظلة قانونية دقيقة وصارمة، لا تحابي أحداً على حساب أحد، حتى لو كان الإنصاف للعامل الوافد أمام رب العمل المواطن، فالجميع أمام القانون سواء في الحقوق والواجبات.

يضاف إلى ذلك، الحرص الدؤوب على ضمان حماية الحقوق المالية للعمال، وذلك ما اهتدت إليه الإمارات عبر تطبيقها نظام حماية الأجور، الذي يضمن تحويل رواتب العمال إليهم عن طريق البنوك، مع فرض الرقابة المستمرة على الشركات ومخالفة المقصرة أو المتلاعبة منها بأشد العقوبات والغرامات، مع الالتزام بضمان حقوق العمال الأجانب المقيمين على أرض الدولة، وفقاً للمعايير الدولية من حيث توفير المسكن الملائم والرعاية الصحية الكاملة، وغيرها من الحقوق لضمان البيئة المناسبة لأداء الأعمال، ويدعم ذلك تطبيق نظام التصديق الإلكتروني على عقود العمل عبر "الإنترنت"، الذي يوفر أكبر حماية لمصالح العمال الأجانب، ويمكّنهم من معرفة حقوقهم والحصول عليها كاملة قبل مغادرة بلدانهم، ما يتيح لهم فرصة قبول العرض أو رفضه.

 وعودة سريعة إلى ملف حقوق العمالة في الإمارات، تظهر أنه من أنضج الملفات وأكثر حيوية وتجديداً باستمرار، بحثاً عن الأفضل والأنجع لضمان راحة العمالة الوافدة، وتأمين البيئة الصحية الإبداعية الآمنة لهم، وتجنب وقوعهم تحت وطأة الاستغلال من أي طرف يتجاوز ضوابط القانون الإماراتي المراعي لحقوق العمالة.

وقبل أيام وفي مؤتمر دولي كبير، أكدت السفيرة إيفا إكيرمان بورغ رئيسة "المنتدى الدولي للهجرة والتنمية"، أن الإمارات "من أكثر الدول فاعلية ولديها مبادرات دائمة لضمان توفير خدمات الصحة والتعليم للعمالة المتنقلة وللمهاجرين".. كما أثنى خبراء في المؤتمر متخصصون بقضايا العمالة، على النموذج الذي تقدمه الإمارات في حماية الحقوق المالية للعمال، بتطبيقها نظام حماية الأجور الذي يضمن تحويل رواتب العمال إليهم عن طريق البنوك، والرقابة على الشركات المخالفة.

والمعروف أن هذا النظام الرائد الذي تتبناه الإمارات، حاز منذ تطبيقه قدراً واسعاً من الإشادات الإقليمية والدولية، واعتبرته منظمة العمل العربية تجربة فريدة ومهمة لا بد من العمل والسعي إلى تعميمها في باقي الدول العربية، في حين أكدت منظمة العمل الدولية أنه نظام حقوقي إنساني مبتكر، يصلح للاستفادة منه على الصعيد الدولي.

ولم يتردد المؤتمرون في دعوة الدول الخليجية التي ليس لديها مثل هذا النظام، للاستفادة من تجربة الإمارات في هذا الشأن، لأنها قدمت نموذجاً جيداً خلال السنوات الماضية، علاوة على تنفيذ إصلاحات تشريعية متعلقة بتسهيل انتقال العمال بين الشركات والحفاظ على حقوقهم.

وكل من عاش أو اطلع على واقع الحياة العملية في دولة الإمارات، يعرف أن مظلة الرعاية لا تختص فقط بحماية الأجور، وهو بلا شك من أبرزها تأثيراً وأهمية، نظراً إلى دوره البارز في ضمان استقرار العامل وتقديم أفضل ما عنده لدفع عجلة التنمية في الدولة، وإنما هناك الكثير من اللفتات القانونية التي تعزز أولوية حقوق الإنسان على أرض الإمارات، وليس أقلها نظام التأمين الصحي لجميع فئات العمال، الذي يكفل علاجهم وتقديم الخدمات الصحية لهم كباقي فئات المجتمع من دون أي تمييز، وقرار حظر العمل وقت الظهيرة تحت أشعة الشمس في الأماكن المكشوفة خلال الصيف، والمحاكم العمالية المجانية التي تنظر في شكاوى العمال بحيادية، فضلاً عن ملف السكن العمالي الذي حققت فيه الدولة قفزات كبيرة.

هذا الواقع هو ثمرة رؤية إنسانية واضحة لا تقبل دولة الإمارات التنازل عنها، وتقوم على أساس أن الإنسان مقدم على العمران، وهو منهج وضعه القادة المؤسسون للدولة ورعاه القائمون عليها باستمرار، لأن اليقين أن هذا هو جوهر بقاء الدول، والعامل الكبير في نهضتها أو تراجعها.