الاتصال الفعال من الوظائف التي تحتاج إلى مهارات نوعية قد لا تتوافر لدى جميع الأفراد بنفس القدر، واختلاف البشر في القدرة على التعبير عن أفكارهم بفاعلية وبطريقة تصل إلى الآخرين، سواء كان ذلك من خلال الكتابة أو الحديث، هي حقيقة قائمة؛ فكم من كاتب بارع لا يجيد فن البيان، لذا كان أمير الشعراء أحمد شوقي لا يلقي شعره بنفسه، رغم جزالة اللفظ ومتانة العبارة، ويترك هذه المهمة لآخرين ممن لديهم القدرة على السيطرة على جمهور المستمعين.
كما أن هناك من المتحدثين البارعين من عندما تقرأ ما قاله لا تجد فيه تلك الحالة الجاذبة التي كانت عند الإنصات إليه. ويذكر أنه طلب من شاعر النيل ذات مرة أن يعيد أبياتا شعرية لمدة ست عشرة مرة، وعندما نشرت في اليوم التالي وجد القراء أنها خالية من تلك المتعة التي تتطلب إعادتها مرات ومرات.
ولأن البشر يتفاوتون في قدراتهم الاتصالية، والقدرة على البيان وامتلاك ناصية الحديث، كان دعاء نبي الله موسى عليه السلام حينما كلفه الله عز وجل بالذهاب إلى فرعون وملئه، أن سأل الله أن يعينه على ذلك بأخيه هارون، الذي هو أفصح منه لسانا، حين قال: «وَأَخِي هَارُون هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ»، أراد من ذلك موسى عليه السلام الاستعانة بقدرة أخيه هارون على مجادلة فرعون عند تبيان الحقيقة، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من البيان لسحراً».
الشاهد أن قدرات البشر الاتصالية متفاوتة تبعا لمهاراتهم، سواء في القدرة على التعبير أو القدرة على الاستماع الإيجابي، وما ينطبق على الأفراد ينطبق على المؤسسات، ذلك أن من يقوم بالاتصال المؤسسي في الأخير هم العاملون فيها.
تلقيت دعوة كريمة من برنامج دبي للأداء الحكومي، لمشاركة نخبة من المسؤولين والإعلاميين الحديث حول جوانب من الاتصال الحكومي، خصني منها "السمعة المؤسسية".
وفي تقديري أن سمعة المؤسسة من أكثر العوامل التي تحدد علاقة المتعاملين معها، أو نظرة الجمهور من غير المتعاملين معها، بل يتوقف عليها تقدير باقي المؤسسات لها، بما ينعكس على تعاملاتها ومدى الترحيب بها، باعتبارها فردا صالحا في المجتمع يقوم بدور إيجابي، بما ينعكس على الرضى الوظيفي للعاملين فيها وشعورهم بما يمكن أن نطلق عليه الرضى الوظيفي.
وتكوين السمعة الطيبة للمؤسسة ينبغي أن يهيئ لرؤية استراتيجية واضحة تترجم إلى خطط مرحلية، أهدافها محددة ويمكن قياسها، فضلا عن استيعاب جميع العاملين بها، بعيدا عن العشوائية أو الجهود الفردية أو الموسمية أو ردات الأفعال نتيجة لحدث هنا أو هناك، كما أنها تتم عبر عمل جاد ومستمر على أرض الواقع، يشعر به المتعاملون مع المؤسسة، يبدأ من الإجابة على أربعة أسئلة جوهرية، هي: من نحن؟ ماذا نريد؟ بماذا نتميز عن غيرنا؟ ما هي الصورة التي نود أن يرانا عليها الآخرون؟
وعندي أن سمعة المؤسسة لها محاور أربعة، إهمال أي منها يؤثر بالسلب على باقي المحاور، وفي المجمل على السمعة المؤسسية؛ أولها يبدأ من الداخل والخاص برفع الروح المعنوية للعاملين، عبر الاهتمام بهم وتفعيل قنوات الاتصال بين الجمهور الداخلي للمؤسسة وبين الإدارة بمستوياتها المختلفة، ذلك أن السمعة الطيبة للمؤسسة تبدأ من الداخل، من خلال توافر بيئة إبداعية للعاملين فيها تستنفر طاقاتهم الإبداعية.
إضافة إلى وضع نظام للحوافز المادية والمعنوية للعاملين المخلصين، والذين يسهمون في تطوير العمل واستقراره، فضلا عن إتاحة فرص التدريب واستكمال دراستهم عبر المنح الدراسية، بما ينعكس على سعادتهم بالانتماء إليها، ويصبحون بدورهم من أهم عوامل توطيد السمعة الطيبة للمؤسسة، ففاقد الشيء لا يعطيه.
كما أن فشل المؤسسة في كسب ثقة واحترام العاملين فيها، يجعل من الصعوبة بمكان تحقيق ذلك مع الجمهور الخارجي، ولا يتحقق ذلك إلا عبر الأفعال لا الأقوال، والصدق والأمانة في الأداء.
المحور الثاني المكون للسمعة المؤسسية، هو النجاح في إدارة الأزمات التي تتعرض لها، فالنجاح في إدارة الأزمة يوطد السمعة الطيبة ويزيد من ثقة المتعاملين معها، على غرار أن السوط الذي لا يقصم الظهر يقويه، بل إن الإدارة الناجحة للأزمة تمثل فرصة للمؤسسة لكسب تأييد المزيد من المتعاملين، كما أنها فرصة للتعريف بالدور الذي تقوم به والخدمات التي تؤديها لأفراد المجتمع، حيث تكون أنشطتها محور تركيز وتحليل وسائل الإعلام، بالإضافة إلى أن السرعة في التعامل واختيار الوقت المناسب لإطلاع الجمهور على الموقف العام للمؤسسة، من شأنه أن يعزز الثقة في تعاملاتها، مع امتلاك شجاعة الاعتذار إذا تطلب الأمر، فذلك أفضل من التحايل وتجميل واقع سيئ.
المحور الثالث هو أن تحرص المؤسسة على تجسير العلاقة بينها وبين المجتمع المحلي، وألا تتعارض أنشطتها مع مصالح مجتمعها، وأن تساهم في تنمية أنشطته وتوثيق أواصر التعاون مع المؤسسات الثقافية والتعليمية والأهلية، واتباع سياسة الأبواب المفتوحة عبر إطلاع جمهورها المحلي على ما تقدمه من خدمات، وهنا ينبغي أن يعرف المواطن ما هي الفوائد التي تعود عليه من أنشطة تلك المؤسسات، ببساطة ووضوح، ولذا ينبغي الحديث معه بلغة المنافع لا لغة المميزات.
المحور الرابع هو أهمية التعامل بشفافية مع وسائل الإعلام، عبر إتاحة الوصول إلى المعلومة بسهولة، وتخصيص مكان محدد للمتحدث الرسمي، وتنظيم المؤتمرات الصحفية، وإعداد الزيارات الميدانية، ونشر المعلومة التي تقضي على الشائعات في مهدها، وإتاحة المجال لرجال الإعلام لمقابلة العاملين، وإصدار مواد صحفية دورية توضح من خلالها موقفها من مختلف القضايا المتصلة بأنشطتها.
إن قدرة المؤسسة على تكوين سمعة طيبة تبني جدارا من الثقة بينها وبين جمهورها، والوقوف بجانبها عند التعرض للأزمات، والتريث كثيرا قبل إصدار الحكم عليها عند الأزمات، وتفهم السياسات التي تتخذها المؤسسة.
لقد أصاب برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز، حين أكد على أن الاتصال المؤسسي فن وتطبيق، لأن هذه المحاور لا يمكن تطبيقها دون امتلاك مهارات نوعية تزيد من تأثيرها، فهي وإن كانت قواعد علمية تطبيقية، إلا أنها فنون في الأداء والممارسة.