أخيراً حسم وزير الدفاع المصري الفريق السيسي موقف الجيش من الصراع الدائر في مصر الآن. قال السيسي إن الجيش لن ينزل إلى الشارع، ولا يجب أن يفكر أحد أن الحل هو في تدخل الجيش، ودعا الجميع إلى الاحتكام لصندوق الانتخابات متعهداً أن تقوم القوات المسلحة بتأمين الانتخابات البرلمانية القادمة.
يستلفت النظر هنا أن وزير الدفاع المصري تعمد أن يدلي بهذه التصريحات في حضور عدد كبير من الفنانين والمثقفين المصريين تمت دعوتهم لحضور أحد التدريبات العسكرية، ولبوا الدعوة تسبقهم مخاوفهم من محاصرة الإبداع ومطاردة المثقفين، يعني أن الرجل كان يعرف جيداً أنه يتحدث إلى جمهور واعٍ ومدرك للمخاطر التي تتعرض لها البلاد، فأي رسالة كان يريد أن تصل لهم !!
الإخوان وأنصارهم هللوا للتصريحات باعتبارها إقراراً من القيادة العسكرية بشرعية الحكم (وهو أمر طبيعي) وفي نفس الوقت تجاهل هؤلاء تحذيرات وزير الدفاع من أن الجيش نار لا تلعبوا به ولا تلعبوا معه.
خلال أيام كان هناك حدثان هامان بهذا الصدد: الأول إعلان وزير الداخلية عن ضبط خلية إرهابية مرتبطة بتنظيم القاعدة. وقد سبق هذا الإعلان تظاهرات أحاطت بمقرات جهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية، وأعقبته تهديدات من تنظيمات أصبحت تعمل علناً بأنها لن تسمح بالمساس بـ"المجاهدين"، ومحاولات لتفسير الأمر بأن من قبض عليهم كانوا يتدربون مع غيرهم في معسكرات سرية تمهيداً للسفر إلى سوريا للنضال هناك.
بعدها كان الحادث الخطير في سيناء، باختطاف سبعة جنود تابعين للجيش والشرطة في تحٍد كبير لسلطة الدولة التي تنهار في هذا الجزء الاستراتيجي والذي شهد قبل ذلك العديد من الأحداث الإرهابية، لعله أبرزها مجزرة قتل 16جندياً في رمضان الماضي، والتي قال وزير الدفاع في تصريحه الذي اشرنا إليه إنه لم يتم التعرف على مرتكبيه حتى الآن.
هل كان حديث وزير الدفاع المصري إشارة الى الإدراك بأن هناك مخططاً لاستنزاف جيش مصر وهو الجيش العربي الوحيد الذي مازال بعيداً عن التدمير وهو في قلب منطقة المواجهة؟!..وهل كان هذا الحديث ـ في جانب منه ـ تعبيراً عن مواجهة لابد من الاستعداد لها مع عصابات التي وصل الأمر بها إلي التهديد العلني للجيش؟!
قد يكون هذا صحيحاً، ولكن السؤال هو :كيف يمكن مواجهة هذه المخاطر في ظل أوضاع داخلية تفتقر إلى الاستقرار، وفي ظل حكم لا يهتم بشي إلا بالهيمنة على مؤسسات الدولة، وفي ظل انقسام المجتمع كما لم يحدث من قبل؟!
إن وزير الدفاع المصري يدعو إلى الاحتكام لصندوق الانتخابات. وهو يذكر بلا شك أن القوى المدنية والديمقراطية قد قبلت نتائج الانتخابات الماضية رغم كل شهدته من تجاوزات، فماذا كانت النتيجة؟. !!
إن وزير الدفاع المصري يعد بتأمين الانتخابات البرلمانية القادمة .. ولكن هل المطلوب هو حراسة اللجان الانتخابية فقط لا غير أم ضمان نزاهة الانتخابات إذا تمت في ظل حكومة يسيطر "الإخوان" على كل مفاصلها؟
لقد تم رفض كل المطالب التي تقدمت بها القوى الوطنية والديمقراطية. بدءاً من تشكيل حكومة محايدة تشرف على الانتخابات، إلى مجرد تعيين وزراء مستقلين للوزارات المعنية بالانتخابات والمؤثرة فيها، إلى ضمان إشراف دولي على الانتخابات. كل هذا تم رفضه، وكان التعديل الوزاري الأخير تأكيداً على ان الانتخابات سيتم تزويرها، ثم كان التراجع عن كل الوعود التي أعطيت لقضاة مصر .
أيضاً يأتي تجدد الهجمة على القضاء وسط المخاوف التي تتزايد لدى الحكم وجماعته من صدور أحكام في قضايا خطيرة. مثل حل مجلس الشورى، وبطلان اللجنة التي أعدت الدستور، واقتحام السجون أثناء الثورة ومنها سجن وادي النطرون الذي كان محجوزاً فيه الرئيس مرسي وبعض قادة الجماعة.
وسط هذا كله، ومع ظروف اقتصادية واجتماعية تزداد صعوبة، تدرك القوى المدنية والديمقراطية أنها بصدد معركة حاسمة تحدد مصير مصر لعقود طويلة قادمة. لا أحد يريد الانقلاب العسكري . والكل يعرف أن جيش مصر ليس من جيوش الانقلابات بل هو جيش وطني محترف.
ليس المطلوب من الجيش أن يقوم بانقلاب، ولكن عليه أن يمنع قيام الآخرين بالانقلاب على الدولة. وليس مطلوباً أن يعود الجيش إلى مستنقع السياسة، ولكن المطلوب ان يحمي نزاهة العملية السياسية. وليس مطلوباً ان ينحاز الجيش لأي طرف، ولكن المطلوب ألا يحارب الجيش معارك الوطن وظهره مكشوف وألا يحارب الوطن من يقومون بفك الدولة ونشر الإرهاب، بينما الجيش يستنزف لصالح أعداء الخارج وميليشيات الداخل.