الناظر إلى مشاريع دبي الحديثة، لا يمكنه إلا أن يقف إعجاباً، ليس فقط بروعة التصميم والأداء، ولكن للرؤية التي صممت بها معظم تلك المشاريع، والتي وضعت في صميم عملها، ليس فقط خدمة شرائح المجتمع المختلفة، بل خدمة أغراض طويلة الأجل بالنسبة لاقتصاد الإمارة الناهض.
ولو تأملنا واحداً من تلك المشاريع، مترو دبي مثلًا، لوجدنا أنه يخدم ملايين من البشر يومياً، على الرغم من النقد الموجه له، في أنه لم يحل فعلياً أزمة المرور الخانقة، والتي تشهدها شوارع دبي بصورة يومية، إلا أن الخطط التوسعية المستقبلية يمكنها، وإلى حد كبير، إيجاد الحلول الدائمة لتلك الأزمة المرورية الخانقة.
مشاريع دبي تذكرنا باقتصاد دبي في فترة ما قبل النفط، والتي ناقشتها أحد المؤتمرات الأجنبية التي انعقدت مؤخراً في الإمارات. أوراق المؤتمر ناقشت اقتصاد دبي في فترة ما قبل النفط، مركزة على قطاعات مختلفة، كالتجارة وإعادة تصدير البضائع والذهب وغيرها من الأنشطة، والتي جعلت من دبي ميناء هاماً من قبل أكثر من قرن من الزمان.
ولا يمكن فصل الاقتصاد والمشاريع الاقتصادية دون الحديث عن الرؤية التي تقف وراءها، والتي تجعل دبي على الدوام مختلفة عن غيرها من مدن العالم. تاريخ الإمارة الاقتصادي، يروى لنا الكثير من الخطط ومشاريع التنمية التي نفذت منذ أن حكم الشيخ حشر بن مكتوم وحتى حكم الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. فتاريخ إمارة دبي لا يحتاج إلى أدلة وحجج للقول بأنه في معظمه تاريخ اقتصادي، وما هو مهم للتجار مهم للإمارة.
أحد أهم القطاعات التي ساهمت في ازدهار دبي خلال فترة ما قبل النفط، هو قطاع التجارة وإعادة التصدير. سلع كثيرة خضعت لإعادة التصدير، أهمها المواد الغذائية والذهب. جدل كثير دار حول تصدير مثل هذه السلع، بما فيها اتهامات بالتهرب من دفع الضرائب من قبل التجار الذين قاموا بمثل هذه المهن إلى البلدان المجاورة، مثل فارس والهند وباكستان وبعض بلدان الخليج العربي.
تلك الاتهامات يجب ألا نأخذها بمقياس هذه الأيام، بل بمقياس تلك الأيام. والمعروف بأن التهريب مثلاً مرتبط بالموانئ التجارية، حيث لا يخلو ميناء تجارى منه. فحالما تفرض الدول أي إجراء لمنع دخول سلعة ما، تنشط عملية التحايل لإدخال تلك السلع، حيث تنعكس تلك الإجراءات على أسعار تلك السلع. هذه المهن الاقتصادية ظلت حتى فترة الستينيات تدر دخلاً كبيراً على تجار الإمارة على مختلف طبقاتهم وأجناسهم.
لم تكن دبي تدرك أنها مقبلة في نهاية فترة الستينيات على مرحلة جديدة من تاريخها باكتشاف النفط، ومن ثم تصديره. وقد حققت الإمارة دخلاً كبيراً من النفط، استفادت منه في تطوير بنيتها التحتية، والصرف منه على مشاريعها الكبيرة.
ولكن منذ اكتشاف النفط وتصديره، كانت دبي مدركة بأنه مورد ناضب، كغيره من الموارد الطبيعية، ولذا، فمنذ فترة طويلة بدأت دبي استعداداتها لفترة ما بعد النفط. الكثيرون كانوا متوجسين من أن الإمارة لن تستطيع الوقوف على قدميها بعد نضوب النفط، على الرغم من وجود التجارة بأنواعها.
ولكن دبي كعادتها دائماً، أثبتت أنها فوق كل التخوفات. فهي المدينة التي دوماً ما تفاجئ العالم بقدرتها على التأقلم واختراع مصادر رزق جديدة، تقدمها للعالم بأسلوب جديد. من أهم المصادر الاقتصادية التي أصبحت تدر دخلاً منتظماً على الإمارة، هو السياحة والخدمات. فعلي الرغم من موقع دبي وطقسها الصحراوي الحار، إلا أن الإمارة استطاعت.
وبكل ذكاء، جذب ملايين من السياح سنوياً، مستفيدة من الخيارات العديدة التي تملكها، ومن البنية التحتية التي نجحت في تطويرها، ومن التذبذبات السياسية في البلدان الشرق أوسطية العديدة المعتمدة على السياحة، كمصر ولبنان وسوريا.
وقد نجحت دبي، وفي فترة قياسية، من التأقلم مع ظروف دولية كثيرة بالغة الدقة، كالحروب الإقليمية وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأخيراً الأزمة الاقتصادية الطاحنة، والحفاظ على موقعها المتميز على الخريطة الدولية كأهم موقع سياحي ومالي في الشرق الأوسط. بالإضافة إلى ذلك، فقد نجحت دبي في البروز كواحدة من أهم مراكز المال والأعمال في العالم، متفوقة على العديد من مراكز المال والأعمال في العالم.
قدرة دبي على التأقلم تلفت لها الأنظار على الدوام، وتثير التعجب من تلك الرؤى التي تجعل من هذه المدينة الصغيرة مركزاً اقتصادياً نشطاً على مدار العام. وقد أشار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، إلى أن مشاريع دبي الكبيرة الحالية، إنما هي جزء صغير من مخططه المستقبلي لتطوير الإمارة.
هذا الأمر يثير بين المراقبين الأجانب العديد من الأسئلة حول المدي الذى سوف تمضيه الإمارة في مشاريعها الضخمة، وإلى أي مدى تستطيع الصمود في وجه المتغيرات الاقتصادية العالمية وانعكاساتها على المنطقة ككل. ولكن هذه الأسئلة تصطدم دوماً برغبة محلية جارفة في الوصول إلى الأفضل، وتحقيق معدلات نمو عالية، تنعكس إيجاباً، ليس فقط على دبي والإمارات، ولكن على المنطقة ككل.
إن مستقبل دبي الاقتصادي، هو جزء من مستقبل الإمارات، ولذا فإن أي خطة مستقبلية، لا بد أن تنعكس إيجاباً على اقتصاد الإمارات. هذا هو تفكير دبي الحالي، وهذا هو تفكير دبي قبل قرن من الزمان.