مجتمعنا المُرتبك

يدخل مركزاً تجارياً مرتدياً ثوباً وحاسراً رأسه، أو يضع فوق رأسه قبّعة (كاب) فتتخاطفه نظرات بعض الناس مستنكرة تلك الصورة. ثم يدخل مرة أخرى ببنطال وقميص فلا يلاحظه أحد، إلا عندما يعرفون بأنه مواطن إماراتي، فإنهم حينها يزدرونه أكثر؛ لأنه غير ملتزم بالعادات والتقاليد، وقد يصفونه بأنه ثائر عليها.

سألتُ مجموعة من الأصدقاء عن رأيهم في هذا الموضوع، فقال أحدهم بأن مجتمعنا منقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول قسمٌ شرقي، نسبة إلى تمسكه بالعادات المحلية «الشرقية». والثاني غربي، ترك عاداته وتقاليده، ثار عليها، وتسربل بكل ما هو عالمي؛ في لبسه وشكله وكلامه وتصرفاته.

أما القسم الثالث، وهو الأقلية، يقف بين الأول والثاني، ما زال متصلاً بشرقيته من خلال علاقته بكبار السن، ولكنه لا يستطيع أن يتملص من إرهاصات المرحلة الحضارية التي يعيشها؛ لأنه يتفاعل مع العالم أجمع من خلال الاطلاع والسفر ووسائل التواصل الحديثة. وتكمن المشكلة الحقيقية، حسب حديث الأصدقاء، أن النوعين الأول والثاني يرفضان فكرة التعرف على ما عند كل من الطرف الآخر، ولذلك فإنهما يريان فيه إما رجعية أو استلاباً.

إلا أن سؤالي كان: وما شأن كل طرف بالآخر؟ ولماذا يرى الناس أنه من حقهم أن يحكموا على أي كان بسبب لبسه أو تصرفاته أو اعتقاده، طالما أنه لا يخدش الحياء العام ولا يُسفّه المعتقد الديني؟

في مجتمع الإمارات اليوم، الذي من المفترض أن يكون أكثر انفتاحاً من بعض المجتمعات الخليجية الأخرى، لأنه يحوي عدداً كبيراً من الجنسيات، يرفض المواطنون أن يلبس مواطن من قبيلة معروفة بدلة في التجمعات العامة، على الرغم من أن الراحل سيف غباش، الذي كان أول وزير دولة للشؤون الخارجية في حكومة الإمارات، كان يلبس بدلة، وكان محترماً من الجميع، حكومة وشعباً.

وكان يمثل الدولة بغير زيها الرسمي. فما الذي تغير إذن؟ ولماذا صرنا نرفض ما كان مقبولاً؟ يقول من يعترض على لبس المواطنين للبنطلونات في المراكز التجارية (القسم الشرقي) بأنهم يخشون أن يأتي يوم يصير فيه حال الإماراتيين كبعض الكويتيين والبحرينيين الذين اعتمدوا البدلة زياً رسمياً؛ فأضاعوا هويتهم الوطنية (حسب قولهم). أما القسم الغربي فإنه يرى في ذلك حرية فردية، ولا يحصر هويته في نوع الملابس، كما أنه لا يهتم كثيراً بماهية الهوية الوطنية ومقوماتها.

ولكنني أتساءل: لماذا نظن، كمجتمعات عربية وخليجية خاصة، أنه من حقنا أن نتدخل في خصوصيات الآخرين، ويكون لنا رأي في حياتهم الخاصة، حتى وهم ليسوا من دائرة معارفنا أو أقاربنا؟

ولماذا صرنا نقلق كثيراً مما سيقوله الناس عنّا، وبالتالي نتصرف بإرباك شديد مخافة أن نخرج من نطاق الأعراف التي، للغرابة، لا تمت كثير منها لمجتمعنا اليوم بصلة؟ قال أحد الأصدقاء إن آباءنا وأجدادنا كانوا أكثر تسامحاً منا، حتى أن الناس كانوا يعرفون بأن هذه زوجة فلان أو أخته أو ابنته أو أمه. أي أن المرأة وشكل الملابس، على سبيل المثال، لم تكن قضايا في المجتمع آنذاك.

وعندما أقول آنذاك فإنني أقصد مرحلة ما قبل الثمانينات، أي قبل ما عُرف بمرحلة الصحوة؛ التي على ما يبدو، جاءت بمفاهيم دخيلة على مجتمعاتنا الخليجية، والإماراتي بشكل خاص، وألصقتها بالدين!

أنهى أحد الأصدقاء الحوار بقوله إن مجتمعنا صار متشنّجاً جداً، لا يعرف كيف يسترخي ويتفاعل مع الحياة من حوله، رغم التنوع المدني الذي يعيشه. صار رسمياً، في ملبسه وحركاته، ولذلك فإن أفراده يحرصون على الخروج أمام الملأ «بأفضل صورة»، أي بصورة تناسب نظرة الناس بغض النظر عن الرغبات الفردية للأشخاص.

من منا يستطيع أن يصرح بمعتقداته وبرغباته وبإحباطاته الاجتماعية اليوم دون أن يسلخه المجتمع في مشرحة الأعراف؟ وأنا هنا لا أقلل من شأن الموروثات والتقاليد، بل أعتقد بأنها مكونات أصيلة في نسيج الهوية الوطنية لأي مجتمع، ولكنني أتساءل إن كان هناك إطار واضح لهذه التقاليد، وهل كلها من موروثنا التاريخي فعلاً، أم أن بعضها دخيل علينا من عادات وأيديولوجيات تخص مجتمعات مجاورة؟

وتلك التي انحدرت إلينا عبر التاريخ، هل لا تزال كلها صالحة لهذا العصر، أم أن علينا أن نراجعها، بحذر، فنختار ما يناسب ونتخلى عما يسبب إرباكاً وقلقاً اجتماعياً، حتى لا يستخدمها البعض كسلاح للسيطرة الفكرية.

لستُ متأكداً كيف سيكون شكل المجتمع الخليجي بشكل عام والإماراتي بشكل خاص في المرحلة القادمة، ولكنني أتمنى ألا يثور أبنائي وبناتي يوماً على موروثهم لأنه لم يعد صالحاً لهم، ولا أريدهم أيضاً أن يتعلّقوا به فيعيشوا في زمن غير زمانهم. كل ما أتمناه، لأطفالي وأطفالكم، أن تكون ثقتهم بأنفسهم وبمجتمعهم في المستقبل، أكثر من ثقتنا بأنفسنا وبمجتمعنا اليوم.

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram
متوفر في App Storeمتوفر في Google Play

لأكثر شعبية

الأكثر قراءة

  • ماذا يجري في الرياض؟

    ماذا يحدث في الرياض. سؤال يطرح بين المراقبين والمتابعين في عواصم العالم، فهناك نشاط سياسي غير عادي في العاصمة السعودية.

  • وظائف

    عدد الجامعات بالدولة في زيادة مضطردة، وتشمل معظم التخصصات العلمية والأدبية، كما تشهد الدولة إقبالاً من الطلبة على

  • المصالحة المرفوضة مع الإخوان

    كلمات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال حملته الانتخابية منتصف العام الماضي لا تزال ماثلة أمامنا وراكزة في عقولنا،

  • لا لعطل التقوية الدراسية!

    لفتت انتباهي، أمس، دراسة تعتزم إمارة أم القيوين القيام بها، تتعلق بالطلاب متدني المستوى، وهي تخصيص يوم السبت من كل

  • منتج إماراتي في آيدكس

    خلال وجودي في معرض الدفاع الدولي لعام 2015، الذي أقيم نهاية الأسبوع الأخير من شهر فبراير الماضي، رأيت وبكل فخر ما حققته

  • روكسلان زوجة سليمان القانوني المفترى عليها

    لم يكن في ظنّ ميرال أوكاي، التي ولدت في أنقرة سنة 1959، وهي كاتبة سيناريو مسلسل القرن العظيم أو ما ترجم عند العرب "بحريم السلطان"

  • خائن الوطن

    الخيانة من أشد الصفات الممقوتة والصفات الذميمة، فلا تكاد توجد صفة قبيحة جمعت أنواعاً من الشرور بحسب علمي مثل الخيانة،

  • في البحث عن بديل!

    لا أعرف سورياً واحداً لا يبحث عن بديل لوضعه الخاص والوضع العام. ولا أعرف سورياً واحداً يشعر بالرضا عن ما فعله أو يفعله.

  • المرأة الإماراتية رسالة وأصالة

    لا شك أن من أنجح التجارب الاجتماعية التي قدمتها دولة الإمارات وأبرز معاركها التنموية تلك التي خاضتها مع المرأة، ونقلها

  • صفر بملايين

    وأخيراً.. بات للصفر قيمة، وقد تكون مليونية. عندما كنا في طور الشباب كان من بين النكات الرائجة قول الرجل لصديقه إنّ رقم

اختيارات المحرر

  • قصر ونشستير الغامض ... متاهة الأشباح

    درجت العادة منذ القدم على أن يستعجل الناس بناء منازلهم عسى أن تدفع عنهم حر الصيف وقر الشتاء وعيون المتطفلين. لكن ما رأيك في من يقضي عقودا متمادية من عمره في تشييد منزله؟

  • «طيور البطريق» الرابح الوحيد في حرب «جزر فوكلاند»

    جزر فوكلاند هي أرخبيل في جنوب المحيط الأطلسي تقع على بعد 300 ميلا شرق الساحل الجنوبي لبلدة باتاغونيا في أمريكا الجنوبية بين الأرجنتين وشيلي.

  • بالي ..جزيرة الجنة الاستوائية

    مقاطعة بالي (بالإندونيسية: Bali‏) هي إحدى مقاطعات إندونيسيا، وغالبية سكانها من غير المسلمين. يوجد فيها تكوين صخري يعد من أحد معالمها المهمة اسمه تاناه لوط وكانت تسمى بجزيرة النهود.

  • دبي السعادة.. تأصيل الفرح

    كرنفال دبي للسعادة، هو أحد الفعاليات المولودة من رحم الفرح بفوز دولة الإمارات بلقب أسعد شعوب العالم

  • فقط في دبي.. ملعقة بوظة بـ3000 درهم

    في مدينة اشتهرت باحتضانها لأكبر ناطحة سحاب في العالم، وأكبر مركز تسوق في العالم، وحتى أغلى كب كيك في العالم، لن تتفاجأ بسماع بأن أحد مقاهيها يبيع ملعقة بوظة بمبلغ 2999 درهم ما يعادل 816 دولار أميركي.

تابعنا علي "فيس بوك"