حقيقة خطة إنقاذ قبرص

خطة إنقاذ قبرص، التي وضعها الاتحاد الأوروبي والبالغة قيمتها 13 مليار دولار، لا علاقة لها بالاشتراكية، وإنما برهانات أكبر من ذلك بكثير. فهذا هو الاتحاد الأوروبي وهو يحاول هزيمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، غير المهيأ على غير عادته، وروسيا في ساحة قتال رئيسية، بشأن قضايا متقيحة منذ أمد طويل، بما فيها الشفافية، والفساد، ودعم سوريا. وهذه أيضا حالة يفضح فيها الاتحاد الأوروبي أمر دولة أشبه بحصان طروادة، مغروسة داخل منطقة اليورو.

مقابل الـ13 مليار دولار المقدمة من الاتحاد الأوروبي، تعين أن تفرض قبرص ضريبة لمرة واحدة على الودائع المصرفية، وترفع ضرائب الشركات من 10% إلى 12,5%، وتخضع لمزيد من الشفافية المالية. وقد حان الوقت لأن تفعل ذلك، ولكن يا له من كابوس شفافية محتمل بالنسبة لروسيا.

لقد قبلت قبرص قرضا بقيمة 2,5 مليار يورو من روسيا في عام 2011، مع إنكار الأخيرة لطلب قرض أحدث بقيمة 5 مليارات يورو. والآن، تقول روسيا إنها ستكون في غاية السخاء، إلى درجة أنها ستخفف، على أقل تقدير، الشروط المفروضة على القرض الأولي، في حال قدمت قبرص للحكومة الروسية هويات الروس الذي يخبئون أموالهم في بنوكها.

ولا تعتزم روسيا دفع أية مبالغ إضافية، لأنها ليست مقتنعة بأنها مضطرة لذلك (بعد) من أجل الحفاظ على قبرص كحليفة. فالدولتان حليفتان مقربتان، وكلتاهما تستغبيان الاتحاد الأوروبي.

يملك الأجانب ما يقدر بنحو 40% من السيولة المتوفرة في بنوك قبرص، ومعظم تلك النسبة يعود للروس. وليس من الصعب تصور السبب في ذلك، عندما يكون معدل ضريبة الشركات البالغ 10%، في متناول أي شخص مستعد لإنفاق 300 ألف يورو على محل إقامة في قبرص. وكمكافأة إضافية، فإنك، بعد خمس سنوات، تحصل على الجنسية القبرصية، وجواز سفر أوروبي، وإعفاء لدخلك العالمي من الضرائب. وتحاول روسيا أيضا دفع قبرص إلى الضغط على الاتحاد الأوروبي لإلغاء متطلبات الحصول على تأشيرة روسية.

ويقدر البنك الدولي الناتج المحلي الإجمالي لقبرص بنحو 24,7 مليار دولار، ومع ذلك فإن الروس (بمن فيهم 80 أوليغاركيا) يملكون ما يقدر بحوالي 25,6 مليار دولار في البنوك القبرصية، وذلك وفقا للاستخبارات الألمانية.

ما هي طبيعة هذه الأموال بالضبط؟ تتراوح طبيعتها بين الوسخة والقذرة، في أحسن الأحوال. ففي فبراير الماضي، فتحت وحدة الاستخبارات المالية التابعة للاتحاد الأوروبي، تحقيقا فيما إذا كانت أموال المافيا الروسية قد غُسلت عبر بنوك الاتحاد الأوروبي. وفي أواخر العام الماضي، وفقا لوكالة الأنباء الروسية "ريا نوفوستي" نفسها، فتحت قبرص تحقيقا .

فيما إذا كانت قد نقلت إلى خمسة بنوك قبرصية، تلك الـ31 مليون دولار التي نجمت عن جرائم احتيال ضريبي روسية، وكشف عنها المحامي المناهض للفساد سيرغي ماغنيتسكي، الذي توفي أثناء انتظاره لأن تتم محاكمته في أحد السجون الروسية، بعد اتهامه لمسؤولين روس بارتكاب جرائم احتيال ضريبي بقيمة 230 مليون دولار.

لقد دأبت السلطات القبرصية والروسية على خداع الاتحاد الأوروبي وسائر دول العالم، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. فكلتاهما تقولان إنهما تريدان محاربة الفساد، على الرغم من أنهما لا تبدوان وكأنهما تقومان بأي شيء حياله.

فعندما ضبطت الاستخبارات الأميركية شبكة تجسس روسية في عام 2010، شملت آنا تشابمان ذات الشعر الأحمر، اعتُقل ممول الشبكة وعميل الاستخبارات الخارجية الروسية بافل كابوستين (الاسم المستعار: كريستوفر ميتسوس)، بموجب مذكرة إنتربول في قبرص، ونجح في الفرار بعد أن أفرجت عنه السلطات القبرصية بكفالة.. تلك طريقة جيدة لمكافحة الجريمة.

وفي أوائل عام 2012، ذكرت صحيفة "غارديان" أن سفينة نقل روسية محملة بـ60 طنا من الذخائر، كانت الحكومة السورية قد اشترتها من الشركة المصدرة للذخائر والمملوكة لروسيا "روسوبورون إكسبورت"، دخلت الميناء القبرصي خلال عاصفة، وأُعيدت، رغم انتهاكها الواضح للعقوبات، إلى مسارها من قبل السلطات القبرصية.

وفي حال قدمت روسيا لقبرص أي خطة إنقاذ أخرى، فسيكون ذلك لأنها تخشى الفضائح والخسائر الاستراتيجية، التي من شأنها أن تنجم عن دخول تلك الدولة الصغيرة إلى دائرة النفوذ الغربية دخولا تاما.

ولا شك في أن بوتين يأمل في دفع الاتحاد الأوروبي إلى سداد فاتورة دعم الحسابات التجارية الروسية، المدعومة من قبل بنوك روسية، في قبرص. وبالطبع، فإن أية مبالغ ستقدمها روسيا ستأتي تحت ستار "محاربة الفساد". "لا تقلقوا، سوف نهتم بعملية التنظيف هذه. لا يوجد ما ترونه هنا، فلا تنظروا رجاء".

بكل تأكيد.. فقد قامت روسيا بعمل رائع حيال ذلك حتى الآن، والاتحاد الأوروبي يحاول أخيرا فعل الصواب.

 

Happiness Meter Icon