كثيرون ممن قرأوا الاستبيان الذي نشر في جريدة "الإمارات اليوم" يوم 24/02/2013، والذي أعده مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية التابع لجامعة قطر، أصابتهم الدهشة والاستغراب.

إن علماء المستقبليات يرصدون تجليات أحداث المستقبل، من خلال التسلسل الموضوعي لصيرورة مجريات الحاضر.. وذلك لأن الأبحاث العلمية، خصوصاً في الجامعات ومراكز البحوث، يتم إعدادها من قبل اللجان العلمية، بناء على تكليف أو مبادرة لدراسة ظاهرة أو مشكلة تستوجب التحليل وصولا لحل المشكلة.

ومن جهة أخرى جرت العادة أن تهتم الجامعات أولاً وقبل كل شيء، بدراسة القضايا والمشكلات الاجتماعية أو الاقتصادية الخاصة بمجتمعاتها، خصوصاً إذا كان ذلك المجتمع شأنه شأن بقية سائر المجتمعات الخليجية الأخرى، لا يخلو من بعض الظواهر التي فرضتها التحولات الهيكلية، التي استوجبت تنفيذ مشروعات تنموية غير مسبوقة، فكان أن استقدمت كل الدول الخليجية عمالة أجنبية من دول عديدة لإنجاز تلك المشروعات الكبرى.

وإذا كانت ثمة دراسة نظرية وصفية أو ميدانية تحليلية ينبغي أن تجرى، فكان الأوفق أن تجرى حول تضخم أعداد العمالة الأجنبية في قطر، وهي دولة صغيرة من حيث المساحة وعدد السكان. أما أن يتم تصميم استبيان لجمع معلومات عن أوضاع العمالة (العربية) تحديداً في دولة الإمارات العربية المتحدة، فشيء تحيطه الريبة والشكوك وسوء النية.

وهنالك سؤالان يطرحان نفسيهما، الأول؛ لماذا اختار مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية القطري، دولة الإمارات دون دول مجلس التعاون لبلدان الخليج العربية الأخرى لدراسة أوضاع العمالة العربية فيها؟ ثم من أعطى هذا المركز حق إجراء البحث، الذي يعتبر الاستبيان إحدى وسائل جمع البيانات حول موضوعه وهو العمالة العربية، ولكن كان واضحا أن المقصود هو العمالة المصرية، ما يعني أن هدف البحث هو استعداء العمالة المصرية بشأن فئة خرجت عن الضوابط القانونية وستجري محاكمتها قريباً لإحقاق الحق.

وكانت دولة قطر قد شهدت صراعات متكررة مع العمالة المصرية العاملة فيها، وكان الأولى بمركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية القطري، أن يصمم استبيانا لدراسة هذه المشاكل المتكررة في دولة قطر مع العمالة العربية، وهو الأمر الذي لم يحدث إطلاقاً في دولة الإمارات العربية المتحدة التي يعيش في كنفها الوافدون من كل الدول العربية والإسلامية، ويساهمون في تعزيز الحراك التنموي في وطنهم الثاني الإمارات.

وفي تقديري أن هنالك جهة معينة هي التي أوعزت لمركز البحوث بإجراء هذه الدراسة، ومن ثم تم تصميم الاستبيان الذي يفتقر إلى الأسس المنهجية التي تنبغي مراعاتها عند تصميم استمارة لغرض علمي أو أي استبيان..

وقد لاحظ القارئ العادي أن أسئلة الاستبيان تم وضعها بطريقة إيحائية، لتدفع من يطرح عليه على الاستبيان لأن يقدم إجابات ضمنية مطلوبة ومحددة، وهذا يتنافى مع شروط وتقنيات البحث العلمي وأولها الموضوعية..

الشيء الآخر أن هنالك جهات إقليمية ودولية مسؤولة عن متابعة أوضاع العمالة العربية أو الأجنبية، وأعني بها منظمة العمل العربية التابعة لجامعة الدول العربية والتي تتخذ من القاهرة مقراً لها، ومنظمة العمل الدولية ومقرها في العاصمة السويسرية جنيف، ولم يحدث أن تلقت دولة الإمارات أي استبيان أو استفسار أو أي ملاحظات حول أي انتهاكات لحقوق العمالة في الإمارات! ونحن كلنا ثقة بأن أبناء الدول العربية اختاروا العمل في الإمارات دون غيرها من دول الجوار، لأن التقارير الدولية المنشورة أكدت أن الإمارات احتلت المرتبة الأولى كأفضل مكان للإقامة.

ومن جهة أخرى، وصف الباحث في العلوم السياسية والاستراتيجية الدكتور فوزي حسن، الاستبيان الذي حصلت «الإمارات اليوم» على نسخة منه، بـ«غير العلمي»، مدللاً على ذلك بطبيعة المعلومات المطلوبة التي تعد مادة تحتاج إليها المنظمات الدولية للضغط على الدولة المعنية.

وأشار إلى أن أخطر ما في الاستبيان المؤلف من 75 سؤالاً، والذي تم توزيعه على عمال عرب مقيمين في الدولة، هو التركيز على مستوى التدين، وعدد الأقارب والأصدقاء، الأمر الذي يمهد لدراسة تشكيل جماعات ضغط ومجاميع معارضة ذات مصالح مشتركة.

ونبه إلى أن تركيز الاستبيان على تعرض العمال بصورة فردية إلى ضغوط أصحاب عمل في بعض الأحيان أو استغلالهم، هو طريقة غير مباشرة لتوثيق حالات مخالفة لحقوق الإنسان في الدولة، ونشرها إعلامياً، والضغط عبرها على الدولة في المحافل الدولية، فضلاً عن تشويه صورة الإمارات والتعتيم على المنجزات في المجالات كافة.

أعود لأقول إن الاستبيان وجد اهتماماً لا يستحقه، بدليل أن الجهات الرسمية في دولة الإمارات لم تعره اهتماما، ولم تحاول حتى مجرد دحض سوء النية والقصد من ورائه، لأن القصد من ورائه مكشوف، فهو ينطوي على دوافع تحريضية تريد أن تجرنا إلى معركة في غير معترك، وسياسة دولة الإمارات العربية المتحدة كانت وستظل قائمة على ثوابت، وهي عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الشقيقة أو الصديقة، وبنفس القدر لا تسمح لأي دولة بالتدخل في شؤونها الداخلية.

وكل ما يمكن قوله إن الاستبيان في نظرنا، لا يساوي ثمن الحبر الذي كتب به.