خطة بريطانيا الاحتياطية

في الوقت الذي لا تزال الأخبار في أميركا تخضع لهيمنة الضجة المعتادة لدورة الانتخابات، من موضوعات نقاش خادعة، واتهامات غير مبررة، ومشاحنات مستمرة حول المرشح الرئاسي الأقدر على توجيه أميركا إلى الاصطدام بجبل الجليد، فإن بعض الدول الأخرى على امتداد العالم، ومنها بريطانيا، تفكر في المستقبل لتحديد قوارب النجاة الممكنة وطائرات الشحن المارة.

وهناك حل سهل جداً لأزمة منطقة اليورو، وهو أن يعيد الجميع أيديهم إلى جيوبهم، ويكفوا عن محاولة استخدام الاتحاد الأوروبي لمباركة نهب البلدان الأفضل حالاً في المجموعة. وليس ذلك حلاً خيالياً، ولذا فإنه لم يجرب حتى الآن. ويصعب خداع الناس بسحر غبار الجنية الاشتراكي، عندما يكون الحل واضحاً للغاية. والحلول البديهية تحرم بائعي الهراء أو محللي شيفرته، من مصدر رزقهم.

وتواصل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مناشدة رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر بتقديم بعض المساعدة، فيستجيب هو من خلال تقديم فرص تجارية كانت أوروبا قد منعتها سابقاً، وهي فرص من شأنها أن تتيح لأوروبا تكبير حصتها من الكعكة الاقتصادية، من خلال تنمية ثروتها عبر التعاون المتبادل، بدلاً من الاكتفاء بقبول الصدقات النقدية. ولكن ذلك ليس حلاً جيداً بما فيه الكفاية، أو سريعاً بما فيه الكافية، بالنسبة لميركل.

وفي أوروبا اليوم، تقوم ألمانيا بدور روسيا في الاتحاد السوفييتي السابق. وفي غضون ذلك، فقد تعلمت روسيا، كما صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أخيراً، دروساً من فشل الاتحاد السوفييتي، وقررت إعادة بناء نفوذها في هيئة إمبراطوريات تجارية، مع الإبقاء على مزايا الاتحاد السابق الاقتصادية والتخلص من كل أعبائه.

ويسمح إنشاء روسيا للاتحاد الأوروبي الآسيوي، ومشاركتها في كتلة "بريكس" الاقتصادية (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا)، بتحقيق الاستقلال والنفوذ من خلال اقتصادات السوق الحرة. وقد تحركت بيلاروسيا، بانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي الآسيوي في أواخر العام الماضي، بعيداً عن منح صندوق النقد الدولي.

ولطالما أبقت بريطانيا، وهي عضو في الاتحاد الأوروبي وليست جزءاً من منطقة اليورو، إحدى قدميها داخل أوروبا في تعاملاتها. ولكن كما يقول المثل القديم فإنك لا تتخلى عن الخشبة حتى تحصل على غيرها. وكان وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ لتوه في كندا يوقع على اتفاق لإنشاء بعثات دبلوماسية بريطانية كندية مشتركة في الخارج، وتعتزم إنجلترا أن تفعل الشيء نفسه مع نيوزيلندا وأستراليا وغيرها من دول الكومنولث الناطقة بالإنجليزية.

ونقلت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية تصريحات أحد الدبلوماسيين البريطانيين، عن المنطق الكامن وراء هذه الخطوة: "رغم كل ما يقال عن الوحدة الأوروبية، فإن القواسم المشتركة التي تربطنا بالعديد من دول الكومنولث هي أكثر بكثير من تلك التي تربطنا بالاتحاد الأوروبي، وهي لا تنحصر في اللغة الإنجليزية.

وهناك مثل في السلك الدبلوماسي البريطاني يقول: الفرنسيون يريدون التغلب علينا، والألمان يريدون التعالي علينا، والإيطاليون يملأون المكان. لذا فإننا لا نحلم أبداً بائتمانهم على أسرارنا الاستخبارية، ولكننا نتقاسم كل شيء مع الأستراليين، والكنديين، والنيوزيلنديين".

ومن المشكوك فيه أن دبلوماسياً بريطانياً كان سينتقد شركاء بلاده الأوروبيين، لو أن أوروبا كانت تفيض مالاً، ويبدو هيغ كرجل سئم مواعدة شخص بلا دخل.

ربما حان وقت التجارة، وهذا هو ما تتمنى ميركل لو أمكنها القيام به، لو أنها لم توقع على اتفاقية ما قبل الزواج مع بروكسل.

وتصادف أن خرجت كندا من العاصفة الاقتصادية بحالة جيدة نسبياً، في ظل تطلعها إلى المستقبل بالطريقة نفسها التي خرجت بها روسيا: تنويع المصالح التجارية والاستثمارية لتتجاوز الشركاء التقليديين، وإقامة شراكات دولية جديدة لكسب النفوذ (أو على الأقل كلمة مسموعة) في المقابل.

ووحده الوقت هو الذي سيرينا ما إذا كانت كتلة الكومنولث سيعاد تشكيلها ككيان اقتصادي، على غرار "بريكس" أو "آبيك" (آسيا والمحيط الهادئ للتعاون الاقتصادي). وغالباً ما تتحول البعثات الدبلوماسية إلى مرساة للاستثمار والتجارة، وقد تكون اللعبة الحقيقية لعبة اقتصادية طويلة المدى.

 

Happiness Meter Icon