أميركا ومشكلة التفكير الناقد

تعاني أميركا من اضطراب نقص الانتباه الجماعي، وهو أمر يشكل، من إحدى النواحي، تهديداً أكبر من الإرهاب، والمخاطر المتعلقة بأمن الفضاء الحاسوبي، ودراما الشرق الأوسط التي لا تنتهي. فتلك المشكلات الأخرى قابلة للحل على أقل تقدير.

وقد شهدنا تلك الظاهرة أخيراً خلال المناظرات الرئاسية، حيث حاول الخبراء وواضعو السياسات في واشنطن غربلة العاصفة الخطابية للعثور على أرضية منطقية صلبة وسط مفاهيم كتخفيضات ميت رومني الضريبية غير المرتبطة بالإيرادات واقتراح الرئيس الأميركي باراك أوباما بإيجاد الثروات عبر رمي المزيد من الأموال في الثقب الأسود المالي المتمثل في "الطاقة الجديدة". غير أنه بالنسبة لشريحة كبيرة من جمهور الناخبين فقد بدا النقاش كفيلم أجنبي يفتقر إلى الترجمة.

وحفلت التغريدات التي تناولت الحدث عبر "تويتر" باستغاثات طلاب علوم سياسية مرتبكين يحاولون فهم ما كانوا يشاهدونه تحت ضغط الحاجة لكي يناقشوه في الصف الدراسي. وإليكم ما يقابل ذلك في عالم الحيوان: أظهرت الدراسات السلوكية أنه حين يتم وضع ذئب بجوار قفص فيه طعام، فإن الذئب يحاول على الفور التوصل إلى طريقة للحصول على الطعام. ولكن عندما يتم فعل الشيء نفسه مع كلب مستأنس - أي كلب يتبع صاحبه في أرجاء المنزل، ساكبا لعابه على الأرضية المصقولة، إلى أن يتم إعطاؤه عظمه - فإن الكلب يلقي نظرة واحدة على القفص قبل ان يلتفت ويبحث عن أقرب إنسان يحل له المشكلة. وللأسف، فقد تحول كثير من الناخبين إلى جراء، لا حول لهم ولا قوة في مشاركتهم المدنية.

إنني أدرك أن الكلمات التي كانت تخرج من فم كل من رومني وأوباما كانت كلمات إنجليزية، ولكنني لن أدعي فهمي لما كانا يقولان - لا سيما وأنهما لم يبدوا وكأنهما يفهمان الحقائق الفعلية الكامنة وراء الكلمات التي كانت تخرج من فميهما. وكان الأمر أشبه بالتحديق في أحد تلك المشاريع الفنية التي ينفذها الصغار، حيث يقومون بسكب بعض المياه الملونة على قماش أبيض، والنفخ عليها من خلال ماصة ضيقة إلى أن يفقدوا الوعي. وحين يستعيدون وعيهم، يجدون عملاً أصلياً يقبل أي تفسير. وكذلك كانت المناظرة الرئاسية، التي افتقرت إلى الحقائق، وإلى البراهين اللازمة لإدخال تلك الحقائق في العقول المتشككة.

ولحسن حظ المرشحين الأميركيين، فإن العقول المتشككة ليست كثيرة في هذه الأيام. فالناس، حين لا يتم تفهيمهم أمراً غريباً عليهم، يميلون إلى اللجوء إلى ما يملكون تصوراً مسبقاً عنه.

وعلى سبيل المثال، فإن رومني يقول إنه يحمل في جعبته خطة لخفض الضرائب لا تؤثر على الإيرادات، ولكنه لا يستطيع تفسير الرياضيات الكامنة وراءها. غير أنه يقول أيضا إن الخطة لم تجرب من قبل، وهو يبدو متحمسا بشأنها. ونحن نعلم كذلك أن رومني لديه خلفية تجارية، لذا فإنه ربما يملك الخلطة السرية، وينبغي أن يعطى فائدة الشك. وفي المقابل، فإن أنصار أوباما لم يروا رئيسا فاترا يفتقر إلى ذلك النوع من الشغف والحيوية اللازمين للتغلب على الرمال المتحركة الاقتصادية التي تسحب البلاد وإنما رأوا شخصا يتصرف بتهذيب فحسب.

وفي الدقائق الثلاثين الأولى من المناظرة خصوصاً، راح هذان الطاووسان يسويان ريشهما ويتموضعان أثناء محاولتهما لجذب الناخبين بلغة بدت كشيء من شأنه أن ينتج عن مزاوجة دليل سياسة ضريبية بتقرير لمجموعة تركيز ما.

وكان العديد من المشاهدين إما نائمين أو تائهين إلى أن ذكر رومني إحدى شخصيات "شارع سمسم". وفجأة، اكتظت مواقع التواصل الاجتماعي بأناس استخدموا برنامج "فوتوشوب" ليكتبوا عبارات مثل "احتلوا شارع سمسم" فوق صور لـ"بيغ بيرد" وأصدقائها!

ربما في المناظرة المقبلة سيصبح بالإمكان إثبات كل نقطة هامة من خلال إشارة تنتمي إلى الثقافة الشعبية. إذ سيكون بالإمكان ربط سياسة الهجرة بجاستن بيبر، وربط السياسة الخارجية بجورج كلوني، ولمس أي قضايا تتعلق بالأسرة الأميركية من خلال مناقشة مسلسل "هير كامز هني بو بو"، الذي يعرض عبر شبكة "تي إل سي".

وسيتعين على المفكرين الناقدين البحث بأنفسهم عن إجابات حقيقية. أما بالنسبة لنا، فقد تكون العملية مسلية أيضاً.

 

Happiness Meter Icon