الإعلام الغربي والاحتجاجات الروسية

لو قرر جاستن بيبر أو فرقة "رولينغ ستونز" فجأة تنظيم حفل موسيقي مرتجل في أحد الأماكن العامة في أميركا دون تصريح، فهل ستتجاهل السلطات الأميركية الأمر وتتغاضى عنه؟ أشك في ذلك. فحتى الموسيقيين المتجولين الذين يقدمون عروضاً في نظام مترو أنفاق مدينة نيويورك لا يستطيعون ذلك دون الحصول على إذن رسمي من المدينة.

ماذا عن إيصال مثل هذا الأداء الموسيقي إلى الكنيسة؟ لو ظهرت جنيفر لوبيز أو مادونا في كنيسة ما، وشرعت في الرقص حول المذبح، فهل سيمر ذلك مرور الكرام في أي حكومة ديمقراطية غربية؟ ليس على الأرجح.

فلماذا، إذن، تحظى ثلاث شابات في روسيا بالكثير من التعاطف من جانب وسائل الإعلام الرئيسية لقيامهن بذلك بالضبط داخل إحدى الكنائس الأرثوذكسية الروسية؟

منذ فترة وجيزة، واجهت ثلاث عضوات في فرقة "بوسي رايوت" الناشطة حكماً بالسجن لمدة عامين بتهمة الشغب بدافع الكراهية الدينية. وتمثل عضوات "بوسي رايوت" جزءاً من فرقة احتجاجية أكبر تدعى "فوينا"، وهي الفرقة التي سبق لها المشاركة في عدة أعمال تثير الانزعاج العام.

وتشكل فرقتا "فوينا" و"بوسي رايوت" النسخة الروسية من حشد "احتلوا وول ستريت" الاحتجاجي. إذ تتمثل طريقة عملهما في استخدام "الفن" بمختلف أشكاله كغطاء للتصرف كالحمقى، والتباهي بتحذيرات الشرطة. وهما تستغلان الشعور بأن الفنانين على امتداد العالم يجب أن يعطوا ترخيصاً سلوكياً أكبر من ذلك المعطى لعامة الناس، وذلك لأنهم تاريخياً دفعوا حدود حرية التعبير قدماً.

ويأمل المرء أن يستطيع الجمهور معرفة الفرق بين فرقة "بوسي رايوت"، وفولتير، مثلاً، الذي ألقي به في السجن لانتقاده الحكومة الفرنسية والكنيسة الكاثوليكية في كتاباته الواسعة. وتمثلت مهنة فولتير في الكتابة.

فيما تتمثل مهنة "بوسي رايوت" برمتها في إثارة الشغب، مع نثر بعض "الموسيقى" الرديئة. ونشر فولتير عدة روايات ومسرحيات وقصائد ومقالات، وهو، عبر قيامه ذلك، أثار غضب السلطات القائمة آنذاك. أما مغنيات "بوسي رايوت" فلم يسجلن ألبوماً واحداً حتى الآن. ومصداقيتهن كفنانات ضعيفة التأسيس، على عكس خلفيتهن كناشطات.

خلاصة القول هي أن قضية "بوسي رايوت" تعتبر مجرد مثال آخر على مطالبة جيل وسائط الاتصال الاجتماعية بالإشباع والاهتمام الفوريين في غياب أي عمل جاد متواصل. وقد اختارت متظاهرات الفرقة أكثر أشكال التخريب الممكنة سطحية، فهن يعتقدن، فيما يبدو، أن تقديمهن لعرض خارج من موسيقى ورقص الكان كان في الكنيسة سيمكنهن من قلب حكومة دولة من دول مجموعة الثماني. وذلك منطق غبي.

فمن شأن لعبة التخريب الأطول أن تتطلب منهن قضاء سنوات في العمل على الوصول إلى موقع رئيسي داخل هيكل السلطة، ومن ثم التأثير على النظام وتخريبه لتغيير ما لا يعجبهن. وكان من شأن تأثيرات جهد من هذا القبيل أن تكون أكثر طبيعية ومصداقية ودواماً.

أو كان يمكنهن، على أقل تقدير، أن يتدربن لسنوات عدة على شحذ "فنهن" في حال كن جادات بشأن كونهن فنانات، وليس فقط بشأن كونهن مثيرات للشغب. وذلك هو السبب في أن مادونا تستطيع التفوه بكل أنواع الحماقات على خشبة المسرح، ومواصلة دفع حدود حرية التعبير دون أن تتعرض للاعتقال - لأنها استحقت بالفعل لقب "فنانة"، والمجتمع الحر يسمح بذلك.

وبطريقة ما، تم سحب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى هذا كله، ربما لأن هذه القصة تبدو أكثر إثارة مع وجود شرير من أشرار "بوند" - ولأنه من المفضل دائماً تحميل شخص آخر مسؤولية السلوك السيئ.

ويزعم أنصار "بوسي رايوت" أن بوتين يهاجم عضوات الفرقة لذكرهن إياه في إحدى أغانيهن. وبالتأكيد، فإن فكرة انتحاب بوتين حول تعرضه للذم من جانب بعض الفتيات في مقطع فيديو على موقع "يوتيوب" تقوض أي صورة شريرة.

وكان من شأن محاولات تشويه سمعة بوتين باعتباره شديد الحساسية ومحباً للانتقام أن تكون أكثر مصداقية لو أن المغنيات تناولن بذكاء سياسات بوتين دون انتهاك أية قوانين، أو ربطن أنفسهن بمجموعة أكبر من النشطاء يعرف عنها التباهي بالأمر بلا كلل، والتعامل معه على أنه مزحة. ولم تأخذ "بوسي رايوت" الاستعدادات اللازمة لأية حالة طوارئ محتملة.

وليس الأمر كما لو أن بوتين اخترع لتوه القانون الروسي ضد الشغب. فلم يتم تصميم العقوبة التي تصل إلى سبع سنوات في السجن خصيصاً لفرقة "بوسي رايوت". وفي الواقع، فإن عقوبة الشغب الديني تصل في ألمانيا إلى السجن ثلاث سنوات كحد أقصى أي ما يزيد على الحكم الذي صدر بحق عضوات فرقة "بوسي رايوت" بسنة.

وينبغي لوسائل الإعلام الغربية أن تحتفظ بدموعها لأولئك الذين يستحقونها عن جدارة.

 

Happiness Meter Icon