شكراً للإقصاء

نشرتُ الأسبوع الماضي مقالا بعنوان "الانتماء الإماراتي" وكان مقالا موجها للداخل الإماراتي، ولو أنه وُجّه لمجتمع آخر لكُتب بطريقة وأفكار أخرى؛ فالمجتمعات تتباين وتختلف وتحدد حاجاتها حسب ما يلائمها لا ما يلائم الآخرين.

تحدثتُ في المقال عن بعض منجزات الإمارات ودعوتُ فيه إلى أمرين مهمين. الأول هو التلاحم وجمع الكلمة وتعزيز الوطنية ونبذ الاصطفاف بكل أشكاله، الديني والسياسي والاجتماعي.

والثاني هو عدم توجيه التهم إلى أي شخص أو أي فئة طالما أننا نؤمن بالقانون والعدالة التي تعد مبدأ رئيساً من مبادئنا الدستورية، وقيمة إنسانية عظمى لا يمكن لكاتب أو مثقف إلا أن يطالب بها للجميع، بمختلف طوائفهم ومعتقداتهم وانتماءاتهم.

 ومن ربط توقيت مقالي بقضية الموقوفين في الإمارات مؤخراً، واستغل الفرصة لاستثارة مشاعر الجمهور فإنه قد أخطأ الظن والتفسير، ولقد كان بإمكاني إدانتهم واتهامهم، ولكنني لستُ قاضياً لأفعل ذلك، وليس من حقي أو من مبادئي إدانة أحد.

ولكنني أعترف بأنني قد خانني التعبير حين قلتُ إنني أرفض الانتماءات الأيديولوجية، وكان الأحرى بي أن أقف عند رفض الانتماءات الحزبية السياسية الخارجية.

وأنا هنا لا أتحدث عن الإمارات فقط، بل عن المنطقة بشكل عام، فكما أن بعضنا يعتب على بعض الشيعة انتماءاتهم السياسية لإيران، والعابرة للحدود، وما يترتب على ذلك من أخطار ومشكلات، فلا بد أن نجعل من هذا الرفض مبدأً عاما نطبقه على كل الانتماءات الحزبية السياسية الخارجية الأخرى.

أما الانتماءات الأيديولوجية فإنها تسافر عبر الزمن، وتنتشر رغم الجغرافيا، ورغم تباين اللغات والأديان، ومن حق كل إنسان أن ينتمي لأي فكر يشاء طالما أن انتماءه لوطنه يسبق كل انتماء آخر.

ولا أُخفي القارئ أنني استأتُ ولكنني لم أستغرب من الحملة الشعواء التي شنّها البعض ضدي وقاموا بتحوير ما قلتُ، وزوّروا كلاما على لساني ونشروه في الفضاء الإلكتروني، كمقولة: "قال ياسر حارب ماذا تريد فالحكومة وفرت لك الأكل والشرب والسكن والأمان" وهو كلام لم أقله ولم أشِر إليه، بل إنني أشرت إلى بعض ما تحقق في الإمارات بسواعد أبنائها من الجنسين الذين يشكلون في مجملهم نسيج الحكومة.

ولكن ذلك لا يعني أنني لا أنتقد تردي مخرجات التعليم، وترهل كثير من المؤسسات، وسأظل أطالب برفع سقف الحريات الإعلامية، وتوسيع مشاركة المواطنين في المجلس الوطني الاتحادي ومنحه صلاحيات أوسع.

وطالبتُ، وما زلتُ أطالب بوضع قوانين تضبط التركيبة السكانية التي أعتقد أن حلها لن يكون بالتخلص من الأجانب ولكن بضمان حقوق المواطن وتعزيز الهوية الوطنية. كما أننا ما زلنا في حاجة لمزيد من التنمية المعرفية.

ولكنني أيضاً سأظل أفاخر وأتحدث عن منجزاتنا الحضارية وأطالب بالحفاظ عليها وتنميتها أكثر، كإنجاز إحدى أفضل البنى التحتية في العالم، وإحدى أفضل شبكات النقل الجوي والبحري والبري. وكتنويع مصادر الدخل، وكإيجاد مشاريع عملاقة لتوليد الطاقة البديلة. وكارتفاع أداء المؤسسات الحكومية وتميز موظفيها المواطنين عربيا ودوليا.

ونعم، يجب أن أتحدث عن مستوى الرفاه الاقتصادي والخدمات المقدمة، لأنها إحدى الغايات التي تسعى الحكومات لتحقيقها.

إلا أن هناك من يحب ممارسة الإقصاء الفكري لأنه أسهل شيء يمكن لأحد ممارسته، والناظر إلى مجتمعاتنا الخليجية على وجه الخصوص يجد احتقاناً عالياً وجاهزية قصوى للفهم الخاطئ والهجوم المباغت تجاه من أخطأ، أو مَن صُوّر للناس بأنه أخطأ.

وكما قال أحدهم: "اخترعنا نحن العرب علماً جديداً هو علم النوايا" حيث أقرأ كثيراً بأن فلاناً كان يقصد كذا وكذا، وعندما أرجع لكلامه أجده بعيداً جداً عما قيل. ولكنني أشكر الإقصاء لأنه زادني إصرارا لتحييد الإرهاب والتخويف الفكري ومحاربته. وسأبقى متفائلاً، رغم كل هذا العنف، بأن التسامح والعقلانية سينتصران في النهاية، حيث ستدفع النتائج السلبية لهذا النوع من الإرهاب بالجيل القادم إلى نبذه وتجريمه.

لا أرفض النقد والنصح بل أستفيد منهما لتطوير نفسي، إلا أنني أرفض التزوير والتشهير. وأنا هنا لا أتحدث عن نفسي فقط، فما زلتُ كاتبا في طور التعلم، ولكنني أتحدث عن ظاهرة عامة استشرت في المجتمع الخليجي بصورة خاصة.

تذكّروا الآن كم من عالم جليل، وكم من كاتب قدير، أهينوا وانتقصت كرامتهم، واتهموا في صدقهم وفي أعراضهم زوراً وبهتاناً، في مشاهد تراجيدية تذكرنا بعصور الظلام الأوروبية عندما أهين جاليليو وأجبر على ثني ركبتيه أمام الكنيسة والاعتذار وهو على حق، أو كما أهين ابن رشد وأحرقت كتبه. إن المنصف يناقشك، أما الإقصائي فإنه يحكم عليك ثم يشهر بك. ولقد علمتني الحياة أن من يشتم لا يمكن أن يكون على حق، ومَن يكون على حق لا يمكنه أن يشتم.

شكرًا لكل إقصائي لأنه دفعني للثبات على مبادئي والتمسك بثوابتي أكثر، وعلمني أن لذلة التسامح والتجاوز عن شتائمه هي نعمة معجلة في الدنيا. يقول الفُضَيْل بن عِياض: "المؤمن يَستر ويَعظ ويَنصح، والفاجر يَهتك ويُعيّر ويُفْشي".

 

  • تويتر

تعليقاتكم

  • بو خالد الخالدي 11 أغسطس 2012 16:01
    في المادة المنشورة بعض المقتطفاط الجميلة التي لفتت نظري، وهي مستمدة من المبادئ العامة لأي مثقف، والمثقف الحقيقي هو الذي يعمل على تفعيلها على أرض الواقع وليس الإدعاء والتطبير والتزمير،، وأتمنى لك التوفيق في خدمة الوطن الغالي بصورة إيجابية
  • جمعة اللامي 8 أغسطس 2012 15:35
    عزيزي ياسر السلام عليكم ول عام وانت ، وشعب الامارات ، وكل انسان على وجه البسيطة ، بل كل مخلوق خارج فضائنا الارضي ... بخير وسعادة . ارجو ان تبعث الي ببريدك الالكتروني . مع تقديري جمعة اللامي كاتب الشارقة 8/8/2012
  • عائــــــشــــة 7 أغسطس 2012 12:48
    " كن على يقين بأنه لا يرمى بالحجر إلا الشجر المثمر"
  • Ahmed Alrashid 5 أغسطس 2012 17:27
    الله عليك ٠٠ كلام رائع رزانة عقل ومنطق حقيقة لابد للاقصائيين قرأة المقال بتجرد بعيداً عن التعصب الاعمى ..
  • نورة 5 أغسطس 2012 02:29
    مقال متميز .. كالعادة .. ووضع النقاط على الحروف .. فمن هاجمك أعطاكـ نفعنا بأن كان هذا المقال أحد مخرجات الهجوم الإيجابية .. الشكر
  • شكري شيخاني 4 أغسطس 2012 23:27
    الكاتب المبدع ياسر قرأت كلماتك بروية وتأني وكم سررت بمحتواها الاجتماعي والانساني ولمست فيها الانتماء القوي لبلد يتمنى الكثير من الناس أن تكون بلادهم مثلها وفقك الله وتابع في هذه الكتابات المفيدة والجيدة والجميلة من دمشق الصحفي شكري شيخاني
  • شَريطُ الّنِسيان 4 أغسطس 2012 16:00
    كما قال د.طارق السويدان"وإن اختلفنا في بعضه فعقلية الإقصاء يجب أن نتجنبها" وَمن هذا الْمنبر اَعتذر نِيابةً عن إخواني الْكِرام "إن سَمحوا لِي" إن كانَ قَد بَدرَ مِنا خَطأ *جُوزيتَ عِتقاً مِن النيران في شهرِ الْغُفران
  • أبوسعيد الطنيجي 4 أغسطس 2012 15:51
    شكرا ياسر حارب ، صاحب القلم الاماراتي المتميز ، مانحتاجه حاليا هو الوحدة الوطنية ولاشيء غيرها ، فهذا وطننا الذي نخاف عليه ونحبه ولا ننكر ماقدمه لنا، وتأكد عزيزي ، أن الشجرة المثمرة هي التي ترمى بالحجر .. وفقك الله للمزيد من الكتابات الهادفة ، فأنت أحد الشباب الذين نفتخر بهم فعلا..
  • متابعة رداً على ابن عبد به 4 أغسطس 2012 15:18
    ردك المنطقي يدل على رجاحة تفكيرك، لذلك استغربت كيف فاتك أن أساس المقال هو أسلوب الرد، لا الحوار نفسه الذي يحترم حق الآخر في الاختلاف دون تجريح. كلنا يرحب بالنقاش المثمر البناء ولا نعتبره إقصاء، فهل تتوقع أن يقع كاتب مثل الأخ ياسر في هذه الهفوة؟ ألم تطلع على ردود البعض في مواقع الصحف والتواصل الاجتماعي فترى مدى إساءتها لأصحاب الرأي؟
  • ابن عبدربه 4 أغسطس 2012 14:59
    نعم هذا استدراك جميل والفكر دائما لا يحد بمكان ولا زمان وتبني الايدلوجيات امر فطري والامر.الذي يحتاج لجواب هل.حقيقة ان الذين ردوا عليك.اقصوك.لا.طبعا.انا اعتقد ان الانسان دائما شديد الحساسية تجاه النقد وخاصة الكاتب. وهم كذلك يعتقدون انك تمارس سياسة الاقصاء ضذهم .
  • أبو عمر 4 أغسطس 2012 14:10
    من خلال متابعتي المتواضعة الإقصاء سمة الشعوب العربية وبخاصة المثقفة منها فهي الجزء المريض في الجسم الانساني المتحضر.. ندعو الله أن يعافينا
  • أمل البادي 4 أغسطس 2012 13:04
    أخي العزيز.. دائما هي الشجرة المثمرة ترمى بالطوب والحجر ولكنها تعطي أجمل الثمر.. كتاباتك ومقالاتك تستهويني وتحرك ذلك الجزء الساكن بين ضلوعي لتعطيني ذلك الإنتشاء العجيب بحبك يا وطني.. لا تستمع لأقوال المحبطين.. إنجازات الوطن ومكتسباته لا تخفى على أحد وحمايتها هي واجب وطني على كل مواطن. إلى الأمام دائما وفقك الله
  • جذور المشكلة : من شب على شيء شاب عليه 4 أغسطس 2012 12:32
    الطفل لدينا يتربى على إهمال رأيه ومواجهته بالهجوم المحبط والإهانات، فلا يجد حواراً بناء ولا احتراماً لرأيه مراهقاً وشاباً من أسرته ومدرسيه ورؤسائه في العمل أو المجتمع. وقد قال أبو العلاء المعري: وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ.. فماذا تتوقع أن تكون نتيجة هذه التربية الإقصائية؟!
  • Mohamed Al Mohsin 4 أغسطس 2012 12:09
    ياله من رقي نفخر لمثلك إستاذي
  • صلاح الساير 4 أغسطس 2012 11:37
    (الانتماء الإماراتي) مقال رائع جدا . أنا شخصيا أعدت نشره في الفيسبوك وتويتر لأننا في الدول الخليجية بحاجة لتعزيز هذا الخطاب العقلاني الواقعي. شكرا لك
  • عبدالاله حطروم 4 أغسطس 2012 10:13
    اعجبني النقد البناء والصدق في كتاباتك، احيي فيك تقبلك للنقد وترفعك عن المهاترات. نعم من حقك ان تعتز بالامارات وما اُنجز فيها فعين الشمس لاتخفيها غرابيل اللئام. زاد الله الصادقين امثالك
  • زينب نقشبندي 4 أغسطس 2012 04:45
    أحسنت ثم أحسنت ثم وفيت عسي الكثيرين يكونون أمثالك
  • Sally 4 أغسطس 2012 04:03
    النبيل ياسر حارب.. كلماتك لا تشوهها اقدام العابرين ولا تتداعى كطين يابس تلقى للتو ركلة طائشة! لا تصغ لهذه المشاعر البليدة, كتاباتك تستحق التبجيل .. اقرأ لك من بعيد وارقبك عن كثب واترقب جديدك لعلمي ويقيني انك على صواب, تعودنا منك كل ماهو صحيح و صائب و لستَ مجبراً على التبرير, انت ارفع واسمى من ان تُتهم بهكذا اشياء, الحق الحق اشعر بالزهو و كثير من الفخر عند قراءة حرفك العتيد... انت قلم عملاق ياسيدي.. لك كل الشكر والامتنان دائما, كُنْ بطمأنينة وسلام و مساؤك وطن لا يميل به الزّمان:)
  • نواق الخيبري 4 أغسطس 2012 02:41
    انت عظيم بمبدئك انت ناجح واذا كثر حاسدوك ومثبطوك اعلم ان محبوك اضعاف كثيره كللامك جميل لاحرمنا الله منك ومن قلمك
  • حسين العبيدلي 4 أغسطس 2012 02:21
    مقال متميز من المتميز ياسر حارب , و اجادة في الطرح , و اعتقد نحن بحاجة الى المزيد من اصحاب النظرة الايجابية و المتفائلين و الابتعاد عن السلبيين و الباحثين عن الفتنة , واتمنى المزيد من المقالات الهادفة و وفقك الله دائما

أكتب تعليقك هنا

كل التعليقات خاضعة للمراجعة وسيتم نشرها بعد مراجعتها. يرجى العلم أن بريدك الإلكتروني لن يكون ظاهراً للقراء.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع البيان الإلكتروني ، الذي يُرحًب بالردود والرأي الآخر
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

لأكثر شعبية

تابعنا علي "فيس بوك"

إقرأ ايضا

  • عصام العريان وهذيان ما قبل النهاية2-2

    العريان ما العريان شخصٌ وضع نفسه في مكانٍ أكبر من حجمه بكثير فصار صغيراً جداً في أعين الناس حتى احتقروه، فلمّا رأى ذلك وكبُر

  • مجلس المحرق

    تعجبني في الرياضة البحرينية العريقة، أنها لا تنسى نجومها القدامى، وهذه السياسة الجميلة يتبعها الأحبة منذ زمن وأصبحت عادة

  • فكرة جميلة وذكية

    كنا بالأمس على موعد مع مؤتمر صحافي، رغم أنه لا يتعلق بأي من الهيئات الرياضية الرسمية التي نتعامل معها، إلا أن طبيعة الاهتمام

  • «فين خميساتك يا مصر؟»

    لكل منا قاموسه الخاص في حب مصر، حب كبرت عليه أجيال وأجيال وتناقلته عبر الأيام ما خزنه الوجدان لبلد له ظله الوارف على العرب،

  • نماذج علاقة يجهلها العريان

    عندما كتبنا أمس مقالاً ننتقد فيه البيان الذي أصدرته الخارجية المصرية في أعقاب تصريحات عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة،

  • مخاطر «تسييس» الدين و«تطييف» السياسة

    من الواضح الآن أنّ هناك سعياً محموماً لتدويل الأزمات الداخلية في المنطقة العربية، ما يُعيد معظم أوطانها إلى حال الوصاية

افتتاحيات الصحف العربية

اختيارات المحرر