أميركا وقانون تحديث «سميث-موندت»

هل سمعتم بمشروع القانون الجديد الذي سيسمح لوكالة المعلومات الخارجية الرسمية التابعة للحكومة الأميركية بإعادة بث محتواها عبر الإذاعة والتلفزيون الأميركيين؟

لقد طرح أخيرا قانون تحديث «سميث-موندت» لعام 2012 بتأييد من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس، وذلك من قبل عضوي مجلس النواب ماك ثورنبيري وآدم سميث، اللذين يفترض أنهما غير راضيين عن حزمة المحطات الفضائية المتاحة لهما.

الأمر ليس كذلك حقا. فقد كتب ثورنبيري على موقعه الإلكتروني يقول: «في حين أن قانون (سميث-موندت) لعام 1948 تم سنه لمواجهة الشيوعية خلال الحرب الباردة، فإنه يعتبر مندثرا بالنسبة للنزاعات الدائرة حاليا.

وفي الوقت الذي نسعى لدحر تأثير القاعدة وغيرها من الجماعات المتطرفة الممارسة للعنف بين الفئات السكانية الساخطة، فإنه لا بد من إيلاء اهتمام كبير للاتصالات الاستراتيجية الفعالة والدبلوماسية العامة. وللقيام بذلك، يجب تحديث قانون «سميث-موندت» لدعم اتصالاتنا الاستراتيجية وقدرتنا الدبلوماسية العامة على جميع الجبهات وفي كل الوسائط، وخصوصا شبكة الإنترنت».

فهمت. إذن فقد كان قانون «سميث-موندت» يقتصر على مواجهة الدعاية الشيوعية في الخارج، وذلك لأن فكرة القيام بعمليات دعاية حكومية داخل دولة ما في وقت كان فيه جوزيف غوبلز اسما مألوفا كانت ستؤدي إلى صدمة نفسية. ويقول ثورنبيري إن التشريع لم يعد مجديا لأن الارهاب يشكل الآن مصدر التهديد الرئيسي بالنسبة لأميركا، وهو لا يتمركز في الخارج فحسب.

لذا، كما يقول ثورنبيري، فإن خدمات المعلومات الخارجية التابعة للحكومة الفيدرالية الأميركية يجب أن تكون قادرة على الوصول إلى الإرهابيين حيث يعيشون، وهذا يعني في داخل أميركا. حسنا، وبالمناسبة، لم لا أقدم نسخا حرفية من البيانات الصحافية التي أستلمها من مختلف الدوائر الحكومية الفيدرالية لكي تتمكنوا من قراءتها في هذه الصفحة كل أسبوع؟

حكومة أو غيرها، إنني لا أصدق بالغريزة أي شيء يقوله لي أي شخص. فلو أخبرني شخص ما بأن السماء زرقاء، لنظرت من النافذة، وسألت شخصين آخرين عما إذا كانت السماء تبدو زرقاء بالنسبة إليهما كذلك. وتلك هي أبسط مسؤوليات الإعلام.

وأنا أشك خصوصا عندما أعرف أن مصدر معلومة ما لديه أجندة. وفي حالة وكالة «مجلس محافظي البث» وإذاعة «صوت أميركا» التابعتين للحكومة الأميركية، فإن ثورنبيري يصف الهدف المحلي المقترح بأنه «إزالة حاجز وصولا إلى برامج دبلوماسية عامة أكثر فعالية وكفاءة».

وبالتأكيد فإنه لا وجود للحواجز على الإنترنت. ويقتصر جدار الحماية بشكل فعال على وسائل الإعلام التقليدية. وأي شيء يتم إرساله كمادة مغلفة مسبقا إلى وسائل الإعلام التقليدية، من جانب الحكومة أو أي مصدر آخر، يجب أن يتم فحصه واختباره وتقييمه وتغليفه بشكل مناسب قبل عرضه على جمهور أوسع. وحتى عندما تقع حادثة ما في الخارج.

كما في الحالة التي ذكرها ثورنبيري، حيث منعت إذاعة «سيريوس» الفضائية بموجب قانون «سميث-موندت» من نقل نشرات بثتها إذاعة «صوت أميركا» مباشرة وباللغة الكريولية من منطقة زلزال هاييتي عام 2010، فإنني متأكدة من أن هناك مراسلين أجانب وصحافيين موثوقين وغيرهم من المحللين المستقلين الذين يمكن الاعتماد عليهم في توفير تغطية كافية وموضوعية للأحداث.

وفي حال ثبت أن أيا منهم يفتقر إلى الكفاءة أو يميل إلى الانحياز، فإن السوق الحرة ستجتثه حينها. والأميركيون المهتمون بتغطية من هذا النوع سيجدون البديل الأفضل متاحا لهم. ولا يعد إقدام الحكومة على استحداث تشريع من أجل أن تقحم نفسها في هذا المجال غير ضروري فحسب، ولكنه منحدر زلق أيضا.

وعلاوة على ذلك، فإن كارثة طبيعية في زمن السلم تشكل مثالا مروعا، بما أنها تمثل الحالة الوحيدة التي يشرع فيها للحكومة أو الجيش تنفيذ عملية معلومات على جمهور محلي لدعم أنشطة غير قتالية مثل عمليات الإجلاء، وفقا لأمر تنفيذي يعود إلى حقبة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون. وفي حال لم يكن ذلك كافيا، فماذا عن تعديل ذلك الجزء فقط؟

إنني لا أشك في أن صحافيي «صوت أميركا" لا يقلون مصداقية أو موضوعية عن نظرائهم في أي مكان آخر، ولا يتعلق هذا الأمر بدخول الأميركيين إلى مجال الصحافة. ولكنه يتعلق باحتمال فتح «صندوق باندورا» من شأنه أن يمكن الحكومة الفيدرالية الأميركية من إنتاج محتوى للجمهور الأميركي عبر كيان تسيطر عليه سيطرة كاملة، واستخدم تاريخيا كأداة اتصال حكومية رسمية.

والأسوأ من ذلك هو أن ذلك الكيان لن يعمل محليا كمحطة قائمة بذاتها. وبدلا من ذلك، فإن المحتوى سيبث بسهولة عبر وسائل إعلام خاصة، وربما دون ان يدرك المشاهد مصدره تمام الإدراك. ويعرف دليل الجيش الأميركي للعمليات النفسية كلا من الحرب النفسية وعمليات المعلومات بـ «التأثير على سلوك الجمهور الأجنبي المستهدف لدعم الأهداف الوطنية الأميركية".

ويتعرض المنتج «الأبيض» من منتجات الحرب النفسية الرسمية واضحة المصدر لخطر التحول إلى منتج «رمادي» كلما أصبح المصدر أكثر ضبابية، وغير رسمي، وذاب في وسائل الإعلام المحلية.

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon