تأملات في مستقبل الشباب

استهل مدرس اللغة الإنجليزية نجل الفائز بجائزة «بوليتزر» الخطاب الذي ألقاه، أخيراً، أمام الطلاب المتخرجين من إحدى المدارس الثانوية الأميركية بافتتاحية حماسية للغاية، والتي يمكن للمرء أن يصنفها بأنها كانت متميزة. بدأ ديفيد ماكولوغ الابن، وهو مدرس في مدرسة «ويلسلي» الثانوية بولاية ماساشوستس الأميركية ونجل المؤرخ الأميركي ديفيد ماكولوغ الحائز على جائزة «بوليتزر»، كلمته بمقارنة «حفل التطلع إلى الأمام» بنوع آخر من حفلات الزفاف، قبل أن ينتقد فوراً كلا النمطين للتبذير.

وبينما يرى البعض أن ماكولوغ ربما كان يتسم بنزعة كراهية البشر، فلم يكد يتطرق إلى المشكلات الاجتماعية الغربية التي تنمو بشكل متزايد وتنتشر على نحو مثير للقلق، والسبب الذي يجعل هذا يحدث.

لا أكترث بما يقوله الدكتور بنيامين سبوك وجميع مروجي سيكولوجية احترام الذات من أنه ليس هناك حافز في الحياة أكبر من أن يكون المرء مقتنعاً بأنه يمكنه القيام بشيء أفضل، في مقابل الاعتقاد بأنه بالفعل كفء. وليست هناك وسيلة أفضل لبناء الثقة بالنفس من أن تجعل طفلاً أو راشداً، فيما يتعلق بهذه المسألة، يكسب شيئاً بعد أن أمضى وقتاً طويلاً في الفشل لتحقيق ذلك.

يتم ذلك عن طريق وضعهم في موقف الخسران وجعلهم يتسلقون طريقهم إلى الأعلى، سواء كان ذلك في الرياضة أو الحياة الأكاديمية. على الصعيد الاجتماعي، لا يمكن تحقيق ذلك فقط عن طريق التحفظ على الاطفال داخل فقاعة مع أصدقاء مختارين يعتقدون أنهم "أو إم جي! مدهشون للغاية"، ولكن عن طريق جعلهم يتفاعلون مع مجموعة واسعة من الناس، يؤمن الكثير منهم بشدة في عدم كفايتهم. حينئذ ربما لن يكونوا مصدومين للغاية عندما يتخرجون ولا يجدون صاحب العمل يطرق بابهم بعقد عمل سنوي قيمته 250 ألف دولار في متناول أيديهم، وربما لن يكون يبنى احترامهم لذواتهم على أساس المراوغة التي تعتمد إلى حد كبير على المساندة من قوى خارجية. وكون الإنسان استثنائياً بشكل حقيقي هو أشبه إلى حد كبير بكونه عاقلاً، بمعنى أن الذين يتشككون حقاً باستمرار فيما إذا كانت هذه هي القضية حقاً.

كنت محظوظة بما يكفي للاعتقاد بأن النجاح هو شئ يتم إنجازه وإثباته. كان حفل تخرجي من المدرسة الثانوية حفلاً يفتقر إلى الأهمية أنشد فيه أحد زملائي أغنية على غيتاره، وغاب أحد أفضل زملائي في منتصف الحفل لكي يعود بملء ذراعين من «سوبر بيغ غالبز» لكي يوزعها. لا أستطيع أن أقول أن احتفالاتي الجامعية كانت أكثر أهمية. لقد رحلت في منتصف الحفل الذي أقيم من أجل درجتي الأولى لأنني كان يتعين عليّ المسارعة إلى الالتحاق بالدراسات العليا. وتخطيت بداية تخرجي من الدراسات العليا تماماً لأنني كنت بالفعل مشغولة بالعمل خارج البلاد.

باختصار، كنت أعرف دائما أنني بحاجة إلى أكثر بكثير من الاحتفالات والجوائز لكي أعتبر نفسي ذات قيمة بكل ما تحمله الكلمة. وكان لابد أن يأتي ذلك من الإنجازات الملموسة أكثر مما يترتب على ذلك.

لا جدوى من أن تكون أدوات مخاطبة الذات المتاحة اليوم هي أقوى بكثير مما كان عليه الأمر سابقا. في هذه الأيام، يمكن للأطفال أن يدبروا العالم الذي يروق لهم اجتماعيا، من خلال إضافة أصدقاء فيس بوك الذين يحبونهم في كل تفكير، في حين يستبعدون أو يقومون بإقصاء من لا يتناسبون مع التصور الذاتي للطفل. لا أحد في هذا العالم المحدود الذي يصنعه الطفل نفسه سوف يوجّه الكثير من الانتقاد لطريقة الهجاء الفظيعة للطفل، لأن هذا العالم الافتراضي سوف يعكس في نهاية المطاف أي نوع من الأشخاص الذي يتصوره الطفل لنفسه، ومستوى ذكائه أو انعدامه. فلا أحد في العالم الواقعي لديه أصدقاء على موقع فيس بوك سوف يفرضون عليه التفكير النقدي. وسوف يرى الشخص نفسه انعكاساً إيجابياً في صفحة بحر هادئ من التجاهل والوسطية.

هذه هي الطريقة التي أغرق بها العالم بحالة من عدم جدوى الثقة المفرطة بالنفس، مع هذا النوع من الناس الذين يطالبون بأن تبادر نسبة "الواحد في المئة" بتوزيع الثروة، بينما يرفضون اتخاذ أصعب طريق للتعرف على مواهبهم الخاصة، وإيجاد السبل لإثبات قيمة أنفسهم، ناهيك عما تفعله نسبة «الواحد في المئة» بحياتها الخاصة. وبقدر ما نشعر بالقلق إزاء هذه النفوس ذاتية الاستيعاب، لا يتعين على العالم حتى الآن الاعتراف بعظمتهم بالطريقة نفسها التي اتبعها والديهم وأصدقاؤهم على فيس بوك، وهذا في الغالب خطأ وول ستريت.

قال بعض المنتقدين لخطاب ماكولوغ إن إخبار الأطفال بمدى عدم كونهم استثنائيين قبل دخوله إلى العالم الحقيقي هو أمر دنيئ فحسب، لأنهم ملتزمون باكتشاف افتقاره إلى التفرد بشكل سريع جدا عندما يخرجون من فقاعتهم الحمائية. هذا أمر خاطئ. فالأمر لا يتعلق بأنهم سوف يكون لديهم نوع من الإدراك. فسوف يجدون شخصاً آخر يلقون عليه اللوم.

 

Happiness Meter Icon