المشهد المصري الآن

ينتظر المصريون ما سوف تتمخض عنه الانتخابات الرئاسية القادمة؛ وهو أمر ربما يُفضي إلى تغيير الخريطة المصرية ككل، وتغيير المنطقة وإعادة ترتيب أوراق الجغرافيا السياسية، وشبكة العلاقات التي تأسست وترسخت خلال العقود الثلاثة القادمة.

وتُضفي الانتخابات الرئاسية القادمة وضوحا نسبيا على المشهد المصري الساخن جدا، والذي زادت سخونته بعد أحداث العباسية، وما كشفت عنه من عنف شديد تجاه المتظاهرين، وتحول غريب في توجهات الإعلام المصري. فما هي معالم هذا المشهد؟ وما هي التوقعات الناجمة عنه؟

1- رغم ما يبدو من حركية المشهد المصري منذ الثورة وحتى الآن، ورغم ما نراه من برامج ومناظرات وأنشطة مرتبطة بالانتخابات، إلا أن المشهد كله يتسم الآن بدرجة ما من الهدوء النسبي؛ فمجلس الشعب والمجلس العسكري والحكومة والثوار، وغيرها من المؤسسات والقوى الرسمية وغير الرسمية، كلها ساكنة وهادئة في انتظار ما تتمخض عنه الانتخابات الرئاسية القادمة.

2- هذا السكون لا يعني أنه سكون الاستقرار والتوصل لقواعد عمل جديدة، بقدر ما يعني أنه سكون التعب والإرهاق والرغبة في الحصول على قسط من الراحة. وهي مسألة تعني أن القادم، في حالة حدوث أي مشكلات تتعلق بنتائج الانتخابات، مثل تزويرها أو المجيء بمرشح مرفوض مسبقا ومحسوب على النظام السابق، سيكون ثورة عارمة على مستوى مصر ككل، ربما تكون أشد وأوسع نطاقا مما حدث في ثورة يناير.

3- وجود حالة حادة جدا من التحزب السياسي والأيديولوجي، ربما لم تشهدها مصر منذ بدايات القرن العشرين وحتى الآن. فالواضح أن المصريين ما زالوا في أطوارهم الأولى من الممارسات السياسية والانتخابية المختلفة، وهو أمر ينعكس في حدة النقاش وعنفه وارتباطه باتهامات بينية عديدة.

وهو أمر يعود بنا لمسألة السكون مرة أخرى، فالأحداث الكبرى على مستوى مصر قلت بشكل كبير مع تراجع الاعتصامات والمظاهرات، وبشكل خاص بعد مجزرة العباسية، لكن العالمين ببواطن الأمور يعلمون أن هناك نقاشات على مستوى الشارع لا تهدأ لها وتيرة، حول الرئيس القادم، وحول طبيعة الانتخابات وحيادية المجلس العسكري فيها، ناهيك عن النقاش الدائم حول شخوص المرشحين وكفاءاتهم وأهميتهم، ومدى استحقاقهم لكرسي الرئاسة وقيادة مصر.

4- لا يمكن إنكار أن الواقع المصري يشهد حالة جديدة من المخاض السياسي، تجمع بين الوعي والجهل في الوقت نفسه. فهناك جيل جديد صاعد، على درجة كبيرة من الوعي والفهم والقدرة على تشريح القوى السياسية والتعامل معها بقدرات نقدية غير مسبوقة. يظهر ذلك في العديد من الملصقات السياسية والجرافيتات التي تغطي حوائط المنشآت.

كما يظهر في تشويه ملصقات المرشحين الذين لهم علاقات بالنظام السابق، مما تعورف على تسميتهم بالفلول. كما يظهر من خلال الندوات وورش العمل العديدة التي يعقدها هؤلاء الشباب في الجامعات، من أجل التوعية المستمرة للمصريين وضمان فهمهم لقواعد الممارسة السياسية والتعبير عن الرأي. لكن ذلك يتم وسط سياق واسع من الجهل والأمية وشراء الذمم والأصوات الانتخابية.

كما يتم في ظل هيمنة مؤسسات النظام السابق على مفاصل الدولة، وفي ظل عنف غير مسبوق من جانب المجلس العسكري ضد المتظاهرين. والأخطر من ذلك أنه يتم وسط أغلبية برلمانية، كشفت عن ضعف ممارساتها السياسية وقدرتها على خلق تحالفات سياسية قوية مع باقي أطياف الثورة وفصائلها المختلفة.

5- في وسط هذا الشد والجذب، لا يمكن إنكار أن مصر تشهد صعودا جديدا للممارسة السياسية المصحوبة بعدم الخوف الذي ارتبط بالنظام السابق. فعلى المستوى العام هناك قوى عديدة لا يخيفها القمع والعنف، قوى نشأت فعلا في أحضان الثورة وتربت في ميدان التحرير، ولا يخيفها عنف النظام ومحاولاته المستمرة لضرب الثورة والنيل منها، وما لم تعِ القوى المسيطرة الآن أهمية هذه القوى الثورية، فإن الصدام قادم لا محالة.

6- لا يمكن إنكار أن المشهد المصري الآن يتسم بقدر كبير من الضبابية؛ فبقدر الوضوح المرتبط بتبلور القوى المؤيدة للثورة والقوى المناهضة لها، فإن هناك شرائح كثيرة بينية ترتبط بالحياة اليومية وبلقمة العيش، بغض النظر عن نوع النظام السياسي ومستوى الديمقراطية المرتبطة به. هؤلاء للأسف يمثلون جيش الاحتياط لضرب الثورة، كما يمثلون مخزنا هائلا من بلطجية النظام الذين يسهل استخدامهم في أي مواجهات قادمة.

7- وبشكل عام، فإن المشهد يشتمل على العديد من الإيجابيات والتوقعات المتفائلة، كما يشتمل على العديد من السلبيات والتوقعات المتشائمة، وسوف تظل مصر تواجه حالة من الشد والجذب بين هذين الجانبين. لكن الأمر الذي لا ريب فيه، والذي يجب أن تعيه كافة القوى السياسية، هو أن مصر لن تعود سيرتها الأولى مرة أخرى إلى ما قبل الخامس والعشرين من يناير.. حما الله مصر ووقاها شر الفلول!

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram
متوفر في App Storeمتوفر في Google Play

لأكثر شعبية

تابعنا علي "فيس بوك"

الأكثر قراءة

  • رؤية وطموح محمد بن زايد

    إنَّ من سعادة المرء أن يُوفَّق إلى قيادةٍ حكيمةٍ رشيدة، ترعى شعبها بتفانٍ وإخلاص، وتبني حاضرها بجدٍّ واجتهاد، وتخطِّط

  • بعد فلسطين.. العراق وسوريا ومصر

    فلسطين تشتعل الآن وعلى مدى الأيام العشرة الماضية بفعل العدوان الصهيوني اللا إنساني على الشعب العربي الفلسطيني في غزة

  • مشهد من المطار

    لم تأت الجوائز العالمية التي تحصل عليها مطارات الدولة من فراغ، ولا شك أن السمعة العالمية التي رسختها مطاراتنا تقف

  • لا ولاء أعلى من الولاء للإمارات

    منذ أن أطلق سيدي الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة مقولته

  • إلا زايد يا قطر

     عندما يفقد الإنسان عقله وتضيق عليه الدنيا بما رحبت، ويشعر أنه منبوذ من كل من حوله، فإنه يتصرف كاليائس الحاقد الذي يريد

  • أغلقوا باب الحارة

    آثرت ألا أكتب عن أي دراما عربية تعرض خلال رمضان قبل مرور عشرين حلقة، ربما ما لم ألمسه في البواكير الأولى للمسلسلات ألمسه

  • الاخوان المتاجرون بآلام أطفال غزة 1-2

    من المشاهد التي لا أستطيع نسيانها، منظر ذلك الرجل المجنون الذي تولّى ظلماً وجهلاً حقيبة وزارة الإعلام المصرية، وهو يخطب في

  • قناة الجزيرة.. أكذب من مسيلمة!

    قناة الجزيرة التي أخبرني بأسرارها المرحوم ماهر عبد الله وغير واحد من إدارييها ومقدمي برامجها الذين عملوا معي فترةً من حياتهم،

  • الأقليات في العراق.. محنة حقيقية

    في مناسبات قليلة أجد نفسي عاجزاً عن إيجاد مفردات لغوية مناسبة للتعبير بوساطتها وبصدق عن مآسي أو مهازل المشهد العراقي،

  • روكسلان زوجة سليمان القانوني المفترى عليها

    لم يكن في ظنّ ميرال أوكاي، التي ولدت في أنقرة سنة 1959، وهي كاتبة سيناريو مسلسل القرن العظيم أو ما ترجم عند العرب "بحريم السلطان"

اختيارات المحرر

اشترك الكترونيا